الحالات الحرجة

ضحى عبدالرؤوف المل

(13 Hours) فيلم للمخرج ميشال باي (Michael Bay)

الفيلم مبني على قصة حقيقية بدأت عند انهيار حكم "معمر القذافي" ودخول عملاء إلى ليبيا لمنع تسرب أسلحة الدمار الشامل إلى السوق السوداء. إذ تبدو معادلة الصواريخ هي حماية الطائرات من إصابة في مقتل قد يجر الويلات لدولة تحاول جعل بنغازي مدينة يحتذى بها، وفي هذا جزء كبير من المبالغات التي جعل منها الكاتب والمخرج "ميشال باي" نقطة غير منطقية، لبلد كان ينعم بالسلام، ومن ثم أصبح بقعة اقتتال تقودها عدة أطراف متصارعة في ظاهرها النفط، وفي باطنها أسلحة الدمار الشامل والاستيلاء عليها. فهل يحاول كاتب الفيلم ومخرجه نقل قصة حقيقية أم مشاهد ترتبط ببعضها مركبة من هنا وهناك، لتكون ضمن قصة مرئية تجعلنا نرى بعض ما يحدث تحت الكواليس عند وقوع الحكم في الدول العربية؟

"أمريكا هنا من أجلكم" جملة ترسخ في ذهن المشاهد الذي لا يستطيع أن يقرأ ويحطم كما يفعل من يتلقى الأوامر مباشرة من الخارج، لتكون المهمة ذات إضافات مبرمجة مسبقة، كرسالة مغلفة بالقوة التي تطغى على مقاتلين مهمتهم ذات صفة دفاعية لبلد حكمه القذافي، واستطاع الفيلم بالسيناريو المملوء بفكرة "لدينا أعداء في كل مكان" أو أنهم في بنغازي يقتلون الأمريكان. فهل يحاول الفيلم جعل الأمريكي مضطهدًا في بلد اختلط فيه الخير والشر بعد سقوط رئيس بلاد حكم لسنوات هذا البلد الذي يعاني الآن من حرب شوارع لا أحد يعلم متى تنتهي؟

"القذافي ربما كان أحمق كبير، لكنه لم يكن غبيًا." جملة استخفائية ينطق بها لإظهار مفارقات الحماقة والغباء في بلد بات السلاح فيه بمتناول الشعب، والحرب فيه أصبحت على ما هو قابل للتصريف في السوق السوداء، وكأن ما حدث في ليبيا هو سيناريو ضعيف لفيلم لعب أبطاله دورًا مهمًا في إظهار قوة الشعب وإرادته بعد سقوط الرئاسة، بمعزل من هو الرئيس الذي تم إسقاطه ظاهريًا من قبل الشعب. ولكن هل يمكن مواجهة السلاح بأيدي ثوار غير منظمين؟ وكيف لفرقة مدربة في مواجهة كل التحديات أن تكون بهذه السخافة في ردع أي هجوم يوجه ضدها؟ وهل هذه قصة حقيقية فعلاً؟ أم أن الحقيقي فيها هو سقوط القذافي، والأماكن الليبية التي ظهرت في المشاهد، لكن السؤال الأهم الذي يطرحه المشاهد: كيف لعدو أن يكون صديقًا في حرب شوارع لا يمكن الاستسلام فيها أو فهم مغزاها أو حتى إدراك لغة شعبه؟ إذ يغزو الخوف القاتل والمقتول والأكثر لمن لا يدرك زوايا المدينة وأماكنها، وأيضًا استنتاج أنهم كلهم أشرار حتى يتبين العكس. فكيف يكون من يدافع عن أرضه؟ أو ما الفرق بين من يدافع عن ممتلكاته ومن يحاول القتال من أجل ممتلكات الآخرين؟ فهل يستخف كاتب النص بعقل المشاهد أم أنه يغزل فيلمًا خاصًا لترسيخ فكرة الأمريكي الصديق الذي يحيط به الأعداء من كل جانب؟

"نحن لدينا رؤية ليلية لا يملكونها" ورغم كل التقنية التي يملكها المقاتل، تبقى حرب الشوارع هي من تستنزف الطاقات الحية للبلاد ولكلا الأطراف المتصارعة. ولكن لم يتجنب الكاتب الوقوع في كتابة مشاهد إخبارية تختزن أهدافه السينمائية التي ينقصها حبكة النص الدرامي، ومقومات سينوغرافية إلى جانب موسيقى تصويرية لم تحمل من الإثارة ما يحرك مشاعر المشاهد أو ما يجعله تحفيزيًا ضمن توقعات تضيف بعض الإثارة والدهشة، بل انفصلت تمامًا عن المشاهد لتكون في النهاية عبارة عن موسيقى المآتم التي لا تضفي للفيلم النغمة المرافقة له التي ترسخ في حواس المشاهد. فهل درس موسيقى الفيلم المؤلف الموسيقي "لورن بالف" المشهد بشكل جيد؟ أم أن الموسيقى مركبة أيضًا تركيبًا لم يتطابق مع الحركة والحدث؟

الفجر هو وقت الهجوم والتوقف عن الأذان هو إشارة غامضة بالنسبة لمقاتلي السفارة، والخوف من الإسلاميين بات من رموز لا تغني ولا تسمن من جوع، كالنساء الحزينات اللواتي يلطمن على أمواتهن أو على المقاتلين الذين شنوا الهجوم على مقاتلي السفارة وحتى من المصلين، لتأتي العبارة الأخيرة في الفيلم "آسفون أيها الشعب الأمريكي، هذه ليست أخلاق الإسلام ولا أخلاق رسولنا". ولا أدري ما الذي فعله الإسلام بهم وهم في بلد يعج بالثورات واختلط فيه الشر بالخير وما زال ينتظر السلام.

لا يمكن وصف الفيلم بالجيد، لأنه لم يعالج الثورة الليبية كما ينبغي، ولم يظهر طيبة هذا الشعب الذي تعرض للمآسي. لأنه مهما زاد العنف وقست الصراعات واشتدت الحروب، لا بد من بقعة خير في بعض القلوب، كقلوب الأطفال الذين ظهروا في الفيلم دون هدف أو حتى دون التركيز على بعض منهم أو حتى على بعض احتياجاتهم، وكان المخرج أراد تصوير ليبيا تصويرًا وحشيًا ليس إلا. وهذا حقيقة مفاجئ لسينما من أهدافها الوصول إلى السلام>

بعد كل هذا يمكنني القول بشكل مختلف لتوضيح فكرة المقال ...

يستند فيلم "13 Hours" للمخرج ميشال باي إلى أحداث حقيقية تتعلق بأزمة بنغازي في ليبيا، ولكنه يثير تساؤلات عميقة حول كيفية تقديم الواقع بشكل درامي يؤثر في المشاهدين. الفيلم يحاول تسليط الضوء على الصراعات والأزمات التي تعصف بليبيا بعد سقوط حكم معمر القذافي، ولكنه في الوقت ذاته يعالج الواقع بأسلوب درامي يثير الشكوك حول صدقيته وأهدافه.

في جوهر الفيلم، هناك صراع متواصل بين الحقيقة والخيال. يعتمد الفيلم على أحداث حقيقية لتقديم دراما مشوقة، ولكنه يفرط في استخدام المبالغات لتقديم رواية تشد الانتباه، مما يخلق تصادمًا بين الحقيقة والتمثيل. هذا الأسلوب يبرز التوتر النفسي بين الرغبة في تقديم واقع مرير وبين الميل إلى تزيينه لخلق تأثير درامي أقوى.

تظهر شخصية البطل الأمريكي في الفيلم بشكل مكثف، حيث يتم تصويره كرمز للقوة والشجاعة في مواجهة الخطر الداهم. هنا، يبرز البطل الأمريكي كنموذج للبطولة، حيث يعكس الفيلم أزمة الهوية التي يعاني منها في الخارج، موضحًا كيف يسعى الأفراد لإثبات شجاعتهم وقيمهم في سياقات غير مألوفة. يُنظر إلى هذه الصورة كمحاولة لتجسيد الهوية الوطنية الأمريكية من خلال الأفعال البطولية.

يستخدم الفيلم صورًا نمطية لأشخاص في بنغازي، مما يعكس أزمة في فهم الآخر. الشخصيات الليبية تُصوَّر أحيانًا بطريقة توحي بأنها غامضة أو عدائية، مما يعزز صورة نمطية عن العرب والمسلمين كمصدر للخطر. هذا النهج يخلق فصلاً بين "الأنا" و"الآخر"، ويساهم في تعزيز الأوهام والاعتقادات المسبقة لدى المشاهد.

تبدو الموسيقى التصويرية في الفيلم وكأنها محاولة لزيادة الأثر الدرامي، لكنها في كثير من الأحيان تفتقر إلى التناسق مع أحداث الفيلم. المبالغة في استخدام الموسيقى تنقل الشعور بالإنفصال عن الأحداث، حيث تصبح الموسيقى كعنصر زخرفي بدلاً من دعم سرد القصة. هذه الفجوة بين الصوت والصورة تضيف إلى شعور المشاهد بالتشويش وعدم الارتباط العاطفي الكامل مع القصة.

على الرغم من محاولات الفيلم لتقديم تجربة درامية مثيرة، فإن التأثير النفسي على المشاهد قد يكون مختلطًا. من ناحية، يُحتمل أن يشعر المشاهدون بالإثارة والتشويق، بينما من ناحية أخرى، يمكن أن يشعروا بالإحباط بسبب التصوير المبالغ فيه للواقع وتعزيز الصور النمطية. فيلم "13 Hours" يقدم تجربة نفسية معقدة حيث يبرز التوتر بين الجهود التي تبذل لتقديم سرد درامي جذاب وبين الحاجة إلى معالجة القضايا بواقعية.

فيلم "13 Hours" يقدم تحليلًا نفسيًا معقدًا للمشاهد من خلال تقديم سرد مبني على أحداث حقيقية ولكن بأسلوب درامي يثير تساؤلات حول دقة التصوير وتقديم الصور النمطية. إن التحدي الأساسي الذي يواجهه الفيلم هو إيجاد التوازن بين تقديم دراما مشوقة وبين احترام تعقيدات الواقع الذي يعكسه، مما يجعل تجربة المشاهدة تجربة غنية بالتحليل النفسي والمفاهيم المعقدة حول الهوية، الصراع، والواقع.

Doha El Mol