أتيت لأجل هؤلاء:

ضحى عبدالرؤوف المل

أسطورة طرزان (The Legend of Tarzan) للمخرج David Yates الغابة استهلكت كل ما لدينا. الفيلم من إخراج "ديفيد ياتس" (David Yates) وكتابة "ستيوارت بيتي" وسيناريو "غريغ بروير" (Craig Brewer) وآدم كوزاد (Adam Cozad). بطولة ألكسندر سكارسجارد وصامويل جاكسون، وما بين النص المحمّل بمفاعيل الطبيعة البشرية وأهميتها في خلق التوازن لاستمرار وجود قوانين الغابة التي يحترمها سكانها، وهي تقودهم للبقاء الحي والمتوازن، فقد تم تحديث أسطورة طرزان في هذا الفيلم بما يؤمن لها النجاح الكافي. خصوصًا وأن طرزان عاش حياة المدينة وانتقل مع زوجته ليبدأ مشواره الإنساني الذي خلق له. إلا أن المفاجآت التي حدثت بعد عودته إلى الغابة كانت بمثابة مغامرة أعادت ومضة الذكريات بفلاش باك منسجم مع الأحداث وسيرها، لنفهم بتسلسل ماضي طرزان وبأسلوب نفسي مدروس ظهر على تكوير الطفل نفسه عند الخوف أو العودة إلى المرحلة الجنينية عندما تصارعت القردة بسببه. فهل فهم المخرج للنص مع إضافة مؤثرات حسية أضاف روحًا جمالية ملموسة في الفيلم؟ أم أن الموسيقى لعبت دورًا مهمًا في تنشيط الحواس؟ إذ بدت الموسيقى مع مشاهد الطبيعة تحاكي جمالية المناظر التي مدتها عدسة التصوير لتأخذ النفس حقها الجمالي من إبهار ودهشة لغابات لا يمكن وصفها إلا بمعجزة الخالق وقدرة الطبيعة على تعبيرها النابض بالحياة.

الموسيقى من تأليف "روبيرت غريغسون-ويليامز" (Rupert Gregson-Williams) الذي استطاع صنع نغمة تتوافق مع الحدث والطبيعة ضمن الالتزام بتراثية المكان أو بالأحرى حيويته البكر، كغابات أفريقية وقبيلة الكونغو وخصائص نغمتها الغنائية، لتكون الآلات الموسيقية المستخدمة ترادفًا حيثيات الطبيعة مع شارة البداية والنهاية، وعلامات الوقوف والتمييز المبدع بالموسيقى المحاكية للخيال وللتعبير الطبيعي والحيواني والإنساني. لنشعر أن الغابة ترحب بالقادمين إليها مع الحذر الموحي بالأخطار التي يمكن أن ينسجها القدر. فالتعبير الموسيقي في كل مشهد أضاف متعة تعبيرية أخرى اخترقها "ألكسندر سكارسجارد" بانسجامه الممتع مع الممثلة "مارغوت روبي" فقد استطاعا اللعب التمثيلي بعفوية، مما منح التفاصيل الجزئية الأخرى بساطة وسلاسة للحفاظ على نكهة الأدغال لفك لغز المؤامرة التي حاكها المخرج منذ البداية برمزية المسبحة من خيوط العنكبوت الملفوفة على يد رجل يقطف الزهرة دون مبالاة، فمن يمسك بالصليب لا أطماع له بقطف الزهور، لترافق المسبحة والصليب الرجل حتى آخر لحظة أو عند لفها على رقبة طرزان ليتخلص منه "جون كلايتون" ويرميه طعامًا للتماسيح. فنخرج من المعركة بحل النزاع الاستيطاني الذي لا ينتهي وإنما ينجدد تبعًا للزمن وما تبقى من التاريخ بتحديث ذي أبعاد إنسانية.

يمتلك طرزان قوة عقلية وبدنية ولا يقع تحت الانفعالات التي يتأثر بها مرافقه، خصوصًا في فهمه مبادئ الحيوانات في الصراع والاستسلام وفي التآخي وإظهار لحظة المواجهة بحسم مع أخيه القرد الذي اعتبره مرتدًا، وقام بالقتال معه ليتركه فيما بعد، ومن ثم يتعاون معه لتشكل هذه المغامرة تحفيزات حسية تساعد الموسيقى فيها على الاحتفاظ بجمالية المشاهد ذات النوع الحميمي أو العقلاني كتلك التي تبدأ بالمسبحة والصليب وتنتهي بغرق الولد في النهر، فتقفز إليه جين، والكثير أيضًا من المشاهد السمعية والبصرية معًا.

مزج للحقيقة التاريخية بالخيال المحفز لمغامرة هي تكوين لعناصر الطفولة الإنسانية التي حافظ عليها الحيوان في حين حاول سلبها الإنسان ليعيد للعبودية سوقها بشكل آخر، مما جعل طرزان يتصدى بقوة لهذه المؤامرة التي أرخت بثقلها على الغابة، مما استدعى مؤازرة الحيوانات لطرزان للوقوف إلى جانبه بتصوير ومؤثرات ثلاثية الأبعاد فتحت الخيال لأقصى درجاته. وما بين العصر الفيكتوري والطبقة الأرستقراطية نعيش نكهة الإنسان البعيد عن هذا وذاك.

بأسلوب نقدي أكثر ديناميكية يمكن القول :

فيلم "أسطورة طرزان" من إخراج ديفيد ياتس، هو إعادة تقديم لأسطورة طرزان الشهيرة بطريقة معاصرة تتناغم مع تقنيات السينما الحديثة. يتناول الفيلم قصة طرزان، الذي يعود إلى الغابة بعد فترة طويلة من العيش في المدينة، ليجد نفسه مجددًا في مواجهة صراعات قديمة ومؤامرات جديدة. يمتاز الفيلم بالجمع بين عنصر التشويق والإثارة مع عمق درامي ونفسي يساهم في إحياء الأسطورة بطرق جديدة ومبتكرة.

يقدم الفيلم سيناريو محكم يُعيد تقديم أسطورة طرزان بطريقة مبتكرة، مع التركيز على تعقيدات الشخصية وتطوراتها. الحبكة تستفيد من تقنيات الفلاش باك التي تعزز فهم مشاعر طرزان وتجاربه السابقة. تتسم القصة بالتصاعد الدرامي المثير، من العودة إلى الغابة حتى المواجهات الحاسمة، مما يبقي المشاهد في حالة من الترقب والتشويق.

أداء ألكسندر سكارسجارد في دور طرزان يلفت الانتباه بعمق الإحساس والواقعية. يعكس بشكل ممتاز التحولات النفسية لشخصية طرزان بين حياته في المدينة وحياته في الغابة. أداء مارجوت روبي يعزز جوانب القوة والضعف في الشخصية الأنثوية الموازية، مما يضيف بُعدًا دراميًا مؤثرًا. كما أن حضور صامويل جاكسون يضيف لمسة من القوة والثقل في الأداء، مما يساهم في تعزيز التوتر الدرامي.

الموسيقى التي أبدعها روبرت غريغسون-ويليامز تضيف عمقًا جماليًا للفيلم. تتناغم الموسيقى بشكل مثير مع الأجواء الطبيعية والدرامية، مما يساهم في تعزيز تأثير المشاهد. التنقل بين المقاطع الموسيقية والأصوات الطبيعية يعكس التوتر والتشويق ويعمق الإحساس بالبيئة المحيطة.

إخراج ديفيد ياتس يتميز بالابتكار والقدرة على دمج الجماليات الطبيعية مع الأكشن المثير. التصوير السينمائي يعكس جماليات الغابة بشكل مذهل، ويستخدم تقنيات التصوير الثلاثي الأبعاد بشكل يعزز الإحساس بالعمق والحركة. المشاهد التي تعرض الغابة والحيوانات تعكس إتقانًا بصريًا يعزز من تجربة المشاهدة.

الفيلم يعالج موضوعات متعددة، منها الصراع بين الإنسانية والطبيعة، والتوازن بين الماضي والحاضر، والتغلب على المخاوف الشخصية. الرمزية، مثل المسبحة والصليب، تعزز من البُعد الفلسفي والفني للفيلم، مما يضيف قيمة فكرية وتجريبية للعمل.

فيلم "أسطورة طرزان" هو عمل فني متميز يجمع بين الدراما القوية والتقنيات السينمائية الحديثة. يعيد تقديم الأسطورة بطريقة تجمع بين الإثارة والتفكير العميق، مما يجعله تجربة سينمائية جديرة بالاهتمام. من خلال تقديم قصة طرزان بوجهة نظر جديدة، يتفوق الفيلم في إضفاء طابع عصري وجمالي على الأسطورة الكلاسيكية، مما يجعله إضافة قيمة إلى عالم السينما المعاصرة.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol