دمج الأدب الروائي والسينمائي في فيلم «النظارة السوداء»
ضحى عبدالرؤوف المل
دمج المخرج حسام الدين مصطفى الأدب الروائي والسينمائي، بجمالية مثالية وأخلاقية في فيلم «النظارة السوداء» وهو من قصة كتبها الأديب إحسان عبدالقدوس، وسيناريو لوسيان لامبير، وحوار محمد كامل عبدالسلام. تمثيل نادية لطفي وأحمد مظهر بعيداً عن المثالية، وبتلاحم معها لنبذ السلوك الإنساني المستهتر اجتماعيا، وقد حدد الكاتب إحسان عبدالقدوس رؤيته الأدبية المغمسة اجتماعيا بمشاكل العمال أواخر الستينيات من القرن العشرين. لنعيد النظر في مفهوم المثالية وانكسارها، ومن ثم تصحيحها، بدون خلع للرومانسية المربكة، خاصة بعد أن استطاع صاحب المثل العليا اجتماعيا أن ينقلب عليها، ويضع هو نظارة سوداء كان قد حاول أن تخلعها صاحبتها، البطلة في القصة الواقعية، التي تتسم بتفاصيل الزمن الستيني، والذي يمثل بداية الانفتاح في مصر، حيث الصعود إلى الحداثة، والخروج من القوقعة المنغلقة، إلى التيارات الحياتية الجمالية، بدون الابتعاد عن المثالية في الحياة وجوانبها المختلفة من الأصدقاء إلى العمال في المصانع الى الاستهتار، بتفاصيل الحياة التي أدمنتها بطلة إحسان عبدالقدوس، من خلال السهر، والبعد عن الثقافة والأدب، حتى في علاقاتها مع الآخرين، خاصة الرجل. لنكتشف أن النظارة السوداء ترمز إلى الفضيلة والاختباء منها، لكي لا نرى حقائق سلوكياتنا بشكلها الحقيقي، مع الاحتفاظ بالرومانسية في الأدب السينمائي بجمالية أفلام الأبيض والأسود، أو زمن الستينيات من القرن العشرين، والتداخل بينه وبين التاريخ العمالي ومطالبهم التي أثرت في اتجاهات القصة أو الفيلم بعمق الحدث، الذي أدى إلى قطع يد العامل في المعمل الذي يديره الفنان أحمد مظهر، المحافظ على حقوق العمال قبل أن ينحرف مساره، لتعيده بعدها صاحبة النظارة السوداء إلى مثاليته في العمل والحياة بشكل عام.
تدور القصة حول فتاة من الوسط الارستقراطي المستهتر بالحياة والمثل والفضيلة، وتعيش على هامش ترف وثري، بلا هدف في سهر مشبع بالضوضاء، وبنظارة سوداء تضعها لإدراكها أن ما تقوم به غير مقنع من وجهة نظر الإنسان، أو الإنسانية التي يحمل رايتها الفنان أحمد مظهر، البعيد عن كل هذه الليالي السوداء التي تقودها صاحبة النظارة السوداء، التي التقاها صدفة، وحاول أن تخلعها لترى جمال الفضيلة والخير، قبل أن يتحول عنها هو، وتعيده إلى جادة الصواب بقدرتها، بعد أن صقلت نفسها بالمعرفة، وبالابتعاد عن السهر والاختلاط الاجتماعي بين المرأة والرجل، بدون الاهتمام بالفضائل غير المقتنع بها حبيبها السابق، الذي رماها بحجة الإحساس بالضجر من علاقته بها، التي حاول ان يجددها عندما رآها مع رجل سواه. فهل من فضيلة ومثالية في أدب إحسان عبدالقدوس، الذي سعى إلى إظهار فترة الستينيات في المجتمعات المصرية وحياة العمال في تلك الفترة الانفتاحية؟
اهتم إحسان عبدالقدوس بالمثالية والفضيلة عند المرأة، وأهميتها في المجتمعات العربية التي تتجه نحو الحداثة او الانفتاح، ليحيطها بهالة جمالية قوية للغاية، بدون إغفال أهميتها الاجتماعية في الوسط العمالي، المؤدي إلى ازدهار المجتمعات الصناعية من خلال التمسك بحقوق العمال والوقوف إلى جانبهم، مع نسج العلاقات الإنسانية معهم، التي ترفع من معنوياتهم وإنتاجهم. وأيضا الحفاظ على حقوق المرأة الحرة الملتزمة بالفضيلة والأدب، وحسن الاجتماعيات التي تقوم بها لزرع فكرة الخير في المجتمعات الناشئة حديثا، أو تلك التي خرجت من النظم القديمة وتبعت الغرب المنفلت من القواعد الأخلاقية، التي كانت سائدة آنذاك.
يتخذ مسار الشخصيات في الفيلم قوة جاذبة من حيث سلوك المرأة المثير للعجب، فيجعلنا نحاول مع أحمد مظهر تغيير سلوكياتها المرفوضة حتى في العصر الحديث، وبمتعة تميل إلى تهذيب الشخصية وصقلها، ومتابعتها حتى اللحظة الأخيرة.
فهل استطاع الفيلم خلع النظارة السوداء ليرى المبطن من الأفعال؟ وهذا ما سعى اليه الأديب إحسان عبدالقدوس، لإظهار أخلاقيات الإنسان وفضائله التي تدور حول مصلحة الإنسان أولا وأخيراً، إذ يضعنا أحمد مظهر الأنيق تمثيليا معه في دائرة النظارة السوداء وخلفياتها الرمزية، في إخفائها الحقائق المتعلقة بالفضيلة والجمال الحقيقي لوجود الإنسان على الأرض. كما استطاعت الفنانة نادية لطفي التعبير تمثيليا عن مشاعر المرأة المتذبذبة بين التمسك بالفضائل والابتعاد عنها، أو الأحرى اكتشاف قيمتها ومعناها، خاصة عندما ترى أحمد مظهر وقد بدأ في الانحراف والابتعاد عن التواضع وخدمة العمال، ليصبح مستهترا كما كانت هي، فتسعى بعد ذلك إلى تصحيح مساره وإعطائه نظارتها السوداء التي كانت تمنعها من رؤية جمال المثل العليا والفضائل التي يجب أن يتمسك بها الإنسان.
يتخذ مسار الشخصيات في الفيلم قوة جاذبة من حيث سلوك المرأة المثير للعجب، فيجعلنا نحاول مع أحمد مظهر تغيير سلوكياتها المرفوضة حتى في العصر الحديث، وبمتعة تميل إلى تهذيب الشخصية وصقلها، ومتابعتها حتى اللحظة الأخيرة، إلا أن للدسائس الفعل الشرير الأقوى الذي لا يجعلنا نشعر بقوة الانجذاب إلى ما كنا نرفضه تحت مسميات أخرى ما هي إلا مبررات أخلاقية تدفع الإنسان نحو الهاوية، بدون الإحساس بالتغيرات التي تقلب المصائر. وبتضامن مع مفاهيمنا السابقة، لكن بتجدد تحكمه عادات وتقاليد ارستقراطية أخرى، غير تلك التي قاومنا اعوجاجها، وحاولنا إصلاحها، ليقع البطل هو الآخر في المحظورات الاجتماعية أو الإنسانية، ما يتطلب التعاطف مع الشخصيات الأساسية نادية لطفي وأحمد مظهر لنستوعب الأسباب، وبالتالي اكتشاف الحلول، وفهم نظرية المؤامرة المغزولة بحبكة فنية مبطنة تحمل في طياتها قضية التعدي على المفاهيم الاجتماعية، في المجتمعات التي تميل إلى الانفتاح بدون الفضائل. وهل النظارة السوداء موجودة في كل زمن من أزمنة نعيشها ويتكرر فيها طمس المثل وقتل الفضيلة والقضاء على الرومانسية؟ وهل القرن الواحد والعشرين يحمل في طياته الأدبية والسينمائية هذه المثل التي نفتقدها كثيراً في الأدب الروائي تحديداً؟
تحكم سلوكيات الأصدقاء وهم الشخصيات الثانوية نزعة استهتار تميل إلى قتل التعاطف الاجتماعي مع الآخر، وهو ما رأيناه في العامل الذي انقطعت يده وهو يزور البطلة في بيتها فيهزأ منه الأصدقاء وهي قمة الحدث المستفز، الذي يجعلنا نلمس التغيرات التي طرأت على شخصية البطلة، أو المرأة مركز اهتمام إحسان عبدالقدوس والمسلط عليها الضوء الاجتماعي بين المرفوض والمقبول، بل وضرورة إصلاحه لكي تكتسب بدورها الفضيلة، أو السلوك الإنساني الجوهري في البناء، الذي يشكل القوة والدعامة في زمن الانفتاح الذي يعالجه الفيلم بعد سقوط الارستقراطية في مصر والتحول من الزراعة إلى الصناعة، وأهمية اليد العاملة في التكوين والازدهار وبعد كل هذا لا يمكن إلا الإشادة بموسيقى الفيلم القديم هذا وقدرته على المحاكاة السمعية الخاصة، بل وفي بعض المشاهد تكملة المشهد سمعيا، وإن كان من إنتاج عام 1963 وبالتالي استطاعت موسيقى الفيلم التأثير وإخفاء بعض المعاني لبث الإيحاء ومنح المشهد وجدانيات تؤثر في التعاطف مع الشخصيتين صاحبة النظارة السوداء، والذي احتاجها بعد أن نسي المبادئ التي ناضل من أجلها، ومن أجل أن تتقبلها صاحبة النظارة السوداء، وهي المرأة العنصر الأساسي في المجتمعات عامة والمجتمعات العربية خاصة. فهل أضاءت القيم والفضائل أبطال الكاتب إحسان عبدالقدوس؟ وهل يستحق الإنسان أن يعيش في الفضائل والقيم والمثل في كل العصور؟
Doha ELMOL