الرؤية هي التصديق.
ضحى عبدالرؤوف المل
فيلم "أنت تراني" (Now You See Me 2) هو فيلم من بطولة جيسي آدم آيزنبرغ وضحى عبدالرؤوف المل. تعتمد الرؤية على الحواس كاملةً عبر دقة ملاحظة لا بد أن يدركها العقل الباحث عن الثغرات في كل ما نراه. إذ لا يمكن لقوى الظلام أن تسيطر بشكل كلي على مرافق الحياة الحيوية وعلى الإنسان المستسلم لما تراه العين. لا بد من استثناءات تحدث، لأن الثغرات تنطوي على حلول عادلة، ولو أن الظلم وقع في مكان ما أو على النفوس التي لم تكن تقوى على استرداد حقوقها. لأن العين ربما لا ترى الحقيقة كاملة إلا بعد استبصار يعتمد على التفكر لاستخراج مكنون المجهول الذي لم تستكشفه العين، ولم ترضَ به الحواس. لكن، هل هي الحقيقة؟ أم أن التلاعب بالصورة عبر سرعة الحركة والخدع الفنية باتت لغة يتقنها كل من يريد الاستيلاء على خصوصيات الآخرين؟ أو بشكل أوضح على أذهان سريعة التأثر بالخدع لأنها لا ترغب ببذل مجهود ما في كشف الحقائق.
شكّل المشهد الأول من الفيلم، بغموضه، تحفيزاً لاستكمال علامات التعجب التي تركها المخرج جون تشو (Jon M. Chu) وكاتب النص إد سولومون (Ed Solomon)، لتكون المشاهد المتبقية مجرد مفاتيح ينتظرها المتلقي المتأثر بسطوة الكاميرا وما تريد إظهاره لتحقيق الهدف. وفهم القصة المبنية على التفكر البصري في كل ما يجري من حولنا، وبتأنّ وإدراك، وحتى لالتقاط كل حركة لا ينتبه لها الإنسان. إلا من يملك دقة ملاحظة قوية، وقد تصل الأمور فيما بعد لدرجة الغرور المستبد. إلا أن الضربة القاضية تبدأ من التحضير لها لتكون بمثابة استرداد للحقوق المسلوبة، ولكن بعد دراسة وتمحيص وقدرة على فهم ما كان غامضاً في زمن ما ومكان ما. فهل من أسرار في خزنة حديدية دخلها ساحر ولم يخرج منها بعد أن رموه في البحر؟ أم أن هذه خدعة تنطوي على العديد من الرموز التي تلاعب بها الكاتب واستطاع المخرج الاعتماد على قوة النص في تحقيق نجاح المشهد بالقليل من الخدع التصويرية والسرعة في اللقطات؟
"رياضة السحر" أو "خفة الحركة المدروسة" و"السوق السوداء" و"الكلمة هي السحر" هي مفردات تخدم العين التي تهتم بالسحر الواقعي، والكلمة والصورة والحركة هي جزء من أهداف العين التي تقف خلف كل التحليلات التي يقوم بها الفرسان الأربعة في الفيلم، وبرمزية الزمن واستدراجات الكاتب لشخصيات عرفناها عبر القصص القديمة التي اشتهرت بحبها لإنقاذ كل ما يمكن إنقاذه من أيدي الظلاميين الذين يتآمرون وسط العتمة دون الظهور أو دون معرفتهم كعين مخفية. إذ "أعظم قوى الساحر تكمن في قبضة يده الفارغة" والفكرة التي يقنع بها العالم أنه بالفعل يحمل سراً. فما هو الوريث الظلام وماهية القصة التي تدور حول السحر في ظاهرها وفي باطنها الفهم الفكري، لخلق الاستنتاجات المهمة بعد التفاعل مع الخدع البصرية التي يقوم بها الفرسان الأربعة مع ديلان والعجوز الذي يلعب دور الجوكر، لنجاح المهمة في القضاء على القوى الظلامية في العالم. وبين المبادئ والقدرة على تنفيذها، رحلة مشوقة عبر نص اعتمد على قوة العين وسحرها.
موسيقى الحدث التصويرية ارتبطت بالمؤثرات السمعية والبصرية في ازدواجية لم تخفف من الاحتكاكات وقوة تأثيرها الحسية على السمع في ربط المشاهد، وفق تقنية انفصلت عنها الموسيقى التصويرية في بعض المشاهد، وكانت مجردة انسجام مع الحركة المشهدية المركبة بصرياً مع السمع وفق حركة السحر وخفتها ضمن اليد والعين بارتباط مع المشاهد، وكأن المخرج يلعب مع المشاهد لعبة الفرسان في اقتناص خفة الحركة باعتبارها رياضة سحرية ليس إلا. وما يهدف إليه الفيلم هو عدم التصديق العام لكل ما نراه. لأن المشهد الأخير لم يكن إلا خدعة قام بها الفرسان للإيقاع بالظلامي الذي يسيطر على مرافق كثيرة ومنها التجسس على العامة عبر شريحة إلكترونية أراد الاستيلاء عليها. فهل الصورة الإعلامية باتت كفن السحر في فيلم "أنت تراني"؟ أم أن صياغة المشهد تعتمد على خدعة مركبة نحتاجها لنصل إلى الحقيقة وعمقها؟
فيلم أنت تراني يكشف عن تلاعب معقد بالصور والحركة. الفيلم يدمج الإيقاع البصري مع السرد الدرامي بأسلوب مميز، حيث يجسد الإيقاع البصري تناغماً بين السرعة والتقنيات السينمائية. بدايةً، يستخدم الفيلم تسريع الحركة والخدع البصرية لخلق إحساس بالإثارة والتشويق، مما يجذب المشاهدين ويشد انتباههم. المشاهد الافتتاحية الغامضة تُعد بمثابة تمهيد يُعزز الإيقاع السريع والغامض للفيلم، حيث تتناغم الحركة السريعة مع تلاعب الصورة لتحقيق تأثير درامي.
الجمالية البصرية للفيلم تعتمد على التباين بين الحركة السريعة والتفاصيل الدقيقة التي تتطلب تركيزاً. الإيقاع البصري يتنوع بين اللقطات القريبة التي تكشف التفاصيل الدقيقة، واللقطات الواسعة التي تعطي إحساساً بالمساحة والحركة. المخرج، جون تشو، يدمج الخدع البصرية في كل مشهد لتدعيم تسلسل الأحداث ويعزز الإيقاع العام للفيلم. تُستخدم الإضاءة، والألوان، وزوايا التصوير لخلق تباين بصري يجعل المشاهد تنغمس في عالم الخداع والسرية.
الإيقاع البصري في الفيلم يساهم في بناء التوتر ويعزز تجربة المشاهدة عبر التحولات السريعة بين المشاهد. كل حركة وكل خدعة تهدف إلى إبقاء المشاهد في حالة من الترقب المستمر، مما يجعل كل لحظة في الفيلم مليئة بالحيوية والتشويق. هذا التوازن بين الإيقاع البصري والتفاصيل الدقيقة يخلق تجربة سينمائية ممتعة وجمالية، حيث تكون الحركة والخدع بمثابة أداة لزيادة الانغماس في عالم الفيلم والتفاعل مع كل عنصر بصري يتم تقديمه.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol