تفاعل السرد وعلم النفس في «سلاحف إلى ما لانهاية» لجون غرين

ضحى عبدالرؤوف المل

تريح رواية جون غرين الصادرة عن شركة المطبوعات للنشر والتوزيع بعنوان «سلاحف إلى ما لانهاية» العقول في سن المراهقة والشباب، الذين يعيشون الخوف من المحيط حولهم، كالمدرسة والبيت، والأمراض والقيود الدقيقة المفروضة في المجتمعات الكبيرة والصغيرة معا . فالراوي المراهق المصاب بوساوس اضطرابية، تجعل من حوله لا يفهمون مشكلاته التي يصورها بأسلوب سردي درامي، ذي الغاز تثير الغموض والتساؤل، في ما إذا كان الراوي بصحة عقلية أم لا! ما يدفع القارئ إلى عمق الرواية مدفوعا بالحركة اللإارادية نحو أفكار الراوي، وبحلزونية لم يخفها عن غلاف الكتاب، بل تركها دليلا على متاهة المرض النفسي الذي أدخلنا فيه مع المراهقين، وبتأريخ لحياة المراهق في فترة زمنية حاضرة، أي في حاضر يمر معه الراوي، كأنه المراهق الذي يعيد تشكيل شباب المستقبل بمنحهم الثقة في مخاوفهم وهواجسهم، كأمر طبيعي يمر به كل مراهق في الحياة، وبوعي مدرك للكثير من الأمراض التي لا شك فيها، بل وبيقين جعل من الشخصيات المضطربة شخصيات ناجحة في الحياة، لأنها تعايشت مع أمراضها النفسية، كحالة تلازم الشخص المصاب بها، وتصالحه معها، في الوقت نفسه يؤكد على أهمية المعرفة الجرثومية التي رافقت الطالبة في مدرسة حكومية في شمال أنديانا، التي تفرض على الطلاب وجبات طعام في ساعات محددة، منتقداً كمراهق القوانين والأنظمة الداخلية التي يتذمر منها كل مراهق في عمره، لا يستطيع أن يقرر شيئا، وهذه المقولة للمفكر أرثر شوبنهاور «بإمكان المرء أن يفعل ما يشاء لكنه لا يستطيع أن يقرر ما يشاء».

رواية نفسية درامية، خاصة بالمراهقين، الذين يجعلون من أنفسهم الأبطال في الألغاز القديمة أو المغامرات، وبمشاهد حسية دراماتيكية.

في أولى صفحاتها تؤكد الرواية على خوف المراهق من كل ما يقيده ويفرض عليه لتطبيق الأنظمة والقوانين، التي تضعه في قوالب لا يمكن الفرار منها، لأنها تجسد قوته في المستقبل وقدرته على التكييف الوظيفي والاجتماعي، والعمل المحصور بالعيش وتحقيق الذات، وبخيوط روائية لفها بتصوير متعدد الرؤى لتنسجم مع روحية الشباب وتطلعاتهم الوجودية، وخوفهم من العدم أو من الفشل، وحتى من القلق والاضطراب المرافق لهم في الحياة «القلق هو النظرة الصحيحة إلى العالم، الحياة مدعاة للقلق»، فهل يحاول جون غرين بث صورة واقعية عن حاضر لن يكون المستقبل الأبدي الذي تحدث عنه؟

رواية نفسية درامية واجتماعية خاصة بالمراهقين، الذين يجعلون من أنفسهم الأبطال في الألغاز القديمة أو المغامرات، وبمشاهد حسية دراماتيكية، أو المجبرين على فعل الأشياء التي لا يريدونها، وتتميز بالسهل الممتنع القادر على التقاط القراء ومنحهم تفاصيل الأمكنة، في مدينة تجمع الشخصيات كما تجمع تاريخها وجمالها وندرة طقسها، «في أنديانا بوليس، ننعم بثمانية أيام إلى عشرة أيام جميلة بحق في العام»، وحتى تفاصيل نفسيات مختلفة للشخوص كجزء لا يتجزأ من مجتمع الرواية، الذي اسس له كمراهق يكتب عن شخصيات من الناس حوله، وعن نفسه وبمشاعر معقدة ومتناقضة، محاولا فيها إجراء التحليل النفسي على القراء ومعهم. خاصة أن القارئ يعود لفترة المراهقة مع الراوي، وتقديم العلاج الطبيعي القائم على مسارات الحياة نفسها التي تدفعنا إلى إجراء عدة اختبارات للكثير من الأشياء حولنا «فالرعب الحقيقي ليس أن تكون خائفا، بل ألا يكون لك خيار في الأمر». وبرصد للفروقات النفسية بين شخوصه بشكل عام، وبين المراهقين بشكل خاص وتقلباتهم المزاجية وأحاديث النفس الداخلية، ومنح مزاجية المراهق صورة واقعية يتوازن من خلالها الفعل وردة الفعل الشعورية واللاشعورية، بدون رفض الواقع، بل بالتذمر من البالغين والتعايش مع الفترة العمرية الجديدة التي يعود إليها المراهق لطفولته عبر الذكريات، كالواقع بين طرفين، أحدهما عليه العبور نحوه وهو غير مدرك للمجهول، والآخر العودة إلى الوراء وما تكونت منه شخصيته التي هو عليها الآن. بهذا يكون جون غرين قد استطاع وصف المشاعر الإنسانيه التي تنتابنا في فترات الحياة من الطفولة إلى المراهقة فالبلوغ والنضوج.

تناغم السرد في رواية جون غرين بين الشخوص كافة والطبيعة الاجتماعية للأفراد، لتندمج مع أساسيات علم النفس، وكل ما هو اجتماعي وعاطفي وتاريخي «قرروا أنه المكان المثالي للعاصمة، لأن كل هذا جرى في 1819 أو ما يقارب، حين كانت أي مدينة فعلية بحاجة إلى الماء للشحن البحري وما إلى ذلك. ثم أعلنوا سنيني مدينة جديدة! وسنتذاكى ونطلق عليها اسم أنديانا بوليس. «وبتعميم اجتماعي ذي مشاعر إنسانية يشترك فيها أطراف المجتمع الروائي، أو الواقعي، وبتفرد لكل شخصية وشخصية أخرى أو صدى العالم الروائي في نفس القارئ. ليتحد المراهق أو الراوي مع الكل، وبما يثير قوة التفاعل بين الأحداث والأشياء المشتركة بين الشخوص تبعا لفئاتهم العمرية أو المتقاربة في ما بينها، والأكثر ملاءمة بميولها الداخلية المتناقضة مثل «إزا هولمزي» و»ديزي» ليحتضن جون غرين الرواية، إذ تتكشف تطورات الشخوص بتنظيم يمثل أبعاد الحياة الواقعية، ومراميها المسيطرة بميولها البشرية أو صراعها مع قوى العقل الواعي واللاواعي، واللغز الأكبر هو اختفاء «بيكيت» الرجل الهارب من الشرطة وجائزة المئة ألف دولار لمن يجده. لتبدأ الخيوط الدرامية في رواية «سلاحف إلى مالا نهاية» بالتقاطع بين الرواية النفسية ورواية المغامرة، بأسلوب استثنائي سعى إليه جون غرين لخلق التشابه والتباين في واقع المراهقين والشباب والبالغين، بغض النظر عن الطفولة المؤثرة على مسار الحياة بشكل عام، أو على خطها الحلزوني الذي يسلكه البعض كسلحفاة تسير إلى ما لانهاية ببطء شديد، مبتعداً عن التفرد بالشخصية الواحدة، فالشخوص في روايته كلهم الأبطال ولكل واحد منهم سمات تجعله المتفرد في رواية لم تضعف فيها الشخوص.

Doha El Mol