أفضل السمات البشرية

فيلم شبح او كيان في جسد الة ( ghost in the shell) للمخرج" روبرت ساندرز"

ضحى عبدالرؤوف المل

تثير المسارات الفكرية في فيلم "شبح في جسد آلة" (Ghost in the Shell) للمخرج روبرت ساندرز تساؤلات حول الذهن، من خلال تحفيز تكنولوجي يأخذنا عبر الزمن إلى رؤية مستقبلية لدمج الإنسان مع الآلة، القادر على خوض المعارك الفكرية والعلمية إلى جانب الجسدية، وفق تقنيات شركات تهدف إلى إبقاء الإنسان على قيد الحياة. لتكوين نموذج مثالي بشري، وعمليات إنقاذ الدماغ البشري وفق آلية شركات تسعى إلى تطوير الإنسان ليكون ضمن السيطرة القادرة على التحدي وإبراز قوة الإنسان في جسد تمت تقويته بعناصر آلية مسحوب منها الحميمية والعاطفة، لتكون بمثابة أسلحة متحركة. فالآلة لا تتصرف من تلقاء ذاتها، ولا يمكنها إلا اتباع الأوامر، ولا يمكنها التخيل أو الاهتمام بمشاعر الغير أو الشعور. لكن بوضع عقل بشري في هيئة آلة، يصبح بإمكانها فعل كل هذا وأكثر. إن اعتبار الإنسان كالسلاح يؤدي إلى تآكل الإنسانية، إذ يصبح الإنسان مجرد وسيلة لحضارة ستكون بمثابة عوالم تنفرد بالوحشية وتفني بعضها البعض. فهل التطور العلمي والإلكتروني، وحتى القتالي، يؤدي إلى مخاطر العبث بالهوية والشخصية والروح البشرية؟

من منا يود أن يتخلف عن هذا التطور؟ لأننا "إن لامسنا التفرد بذاتنا، سنجد عندها السكينة بقلبنا"، والتدريب الجسدي هو أسرع وأفضل طريقة لتطوير القدرات. فالمفاتيح في النص السينمائي هي أصداء حسية تداعب العقل الباطن للمشاهد. إذ يعتمد المشاهد أيضًا على ما هو بصري بشكل يتربط معه الذاكرة البصرية مع الحوارات البصرية، القائمة على الإيحاء وعدم التدخل في الأمور الاجتماعية، إلا عندما تعود موتوكو إلى والدتها من خلال الدماغ الحي فقط، وهي في جسد يؤدي خدمات أخرى. فهي التجربة المتطورة بعد عدة محاولات باءت بالفشل، لأنها ليست مجرد سلاح، بل لديها الروح والكيان الخاص الذي ولدت به. إلا أنها لا تستطيع رؤية ذكرياتها بالكامل، لأن الدماغ يلتقط بعض الإشارات مما جعلها تتذكر والدتها. فنحن نتمسك بذكرياتنا وكأنها ما تشكل هويتنا. لكنها تعاني من اختلال في الخلايا الإلكترونية المتشابكة بين الحين والآخر، كالإنسان حين يصاب بإصابات الحرب في الاقتتال، وهذا يؤثر على عملية المحاكاة المحتملة التي من شأنها تأمين خدمة آلية بشكل جيد. فهم أي شركة هانكا التي تصنع الآلات يمكنها إصلاح الجسد، ولكن لا يمكنها حماية العقل، فهل هذا ما سنكونه في المستقبل: أدمغة مقموعة الذكريات؟

يتميز النص في هذا الفيلم بفلسفته العلمية القائمة على مبدأ أن أفعالنا هي ما تشكل هويتنا، وأن الإنسانية فضيلتنا، ولكن يبقى السؤال الذي تثيره أحداث الفيلم: أين الإنسان الحر القادر على الاحتفاظ بذكرياته؟ إن تم التدخل به وقمع ذكرياته، وجعله آلة تقوم بتنفيذ الأوامر فقط، مع إشكالية الانتماء والإحساس بالوحدة طالما أن الدماغ الذي دخل في جسد آلي هو بشري يتعرض إلى الإحساس بالخيال، والواقع، والأحلام، والذكريات، ولا يمكن حشو الدماغ البشري بذكريات خاطئة. إلا كان الانتماء كاملاً عقليًا وجسديًا، وهذا احتاج من شركة هانكا إلى 98 محاولة فاشلة قبل أن تتم أول عملية إنقاذ عقلي بشكل ناجح مع ميجور أو موتوكو، التي كانت تشكل مع مجموعة من أصدقائها جبهة رفض في وجه التطور التكنولوجي الذي سيؤدي إلى تدمير العالم قبل أن تصبح هي وصديقها في حقل تجارب شركات الإنتاج التي تتلف كل إنسان لم يعد مصدرًا صالحًا لخدماتها. فهل من قدرات تزيد عن البشر؟ وهل من ذكاء صناعي يمكن الاعتماد عليه؟

استطاع المخرج روبرت ساندرز منح الفيلم هوية حضارية خاصة ذات رؤية علمية تتوحد معها الأهداف الإنسانية. فهو لم يقم بالتصوير الخارجي والتقنية الإخراجية الكلاسيكية، ولا التلاعب الكومبيوتري بالأداء والحركة، إنما اعتمد على الأبعاد الثلاثية والسداسية وغيرها من التقنيات التي تؤدي إلى خلق المشاهد المحيطة بالممثلين دون إدراك منهجية التصوير التقني القديم إلا في مشاهد قليلة، وكأن الفيلم هو من برامج الألعاب أو الرسوم المتحركة المتطورة جدًا. إلا أنه استطاع بمؤثراته البصرية جذب الحس الفني عند المشاهد ليستمتع بفيلم يجسد المستقبل بكينونته التي تخاطب بصريًا العقل حتى عبر المفردات المبنية على هوية الإنسان. فخلفيات المشاهد اعتمدت على خلق صورة للمستقبل، بالمواصلات ذات السكك المرتفعة الموازية للأبنية، أو لعالم الدعايات والإعلانات على الأبنية، أو للمدن ذات الرؤية الجمالية المختلفة. وهذا توازى مع فكرة الإنسان الآلي بدماغ بشري هو المحمل بالعواطف والإحساسات النابعة من الدماغ، وليس من القلب الذي نعتبره مضخة العواطف والانفعالات، خصوصًا في مشاهد الكلاب والاهتمام بها وقطّة موتوكو، مع التركيز على الموسيقى التصويرية التي لعبت دورها المؤثر بين الحوارات القليلة التي اعتمد عليها الفيلم، والتي استطاعت جعل المشاهد يفهم اللغة الحوارية التي تبث رسالة إنسانية تهدف إلى توضيح الرؤية العلمية في المستقبل.

برؤية أخرى

فيلم "شبح في جسد آلة" (Ghost in the Shell) يقدم رؤية درامية خيالية تسبر أغوار موضوعات متقدمة مثل اندماج الإنسان بالآلة، والتطور التكنولوجي، ودمج الروح بالعناصر الآلية. تدور أحداث الفيلم في عالم مستقبلي يتحدى الحدود التقليدية للتكنولوجيا والإنسانية، ويطرح تساؤلات حول الهوية، الذاكرة، والإنسانية في عصر يتسم بتزايد الاعتماد على التكنولوجيا.

الانطباع الأول الذي يتركه الفيلم هو واحد من الدهشة والإثارة. يستعرض الفيلم عالمًا مليئًا بالابتكارات التكنولوجية المدهشة التي تجذب انتباه المشاهد وتحفز تفكيره. هذا العالم المليء بالتفاصيل التكنولوجية والأجهزة المتقدمة يصنع تجربة مشاهدة غامرة، مما يجعل المشاهد يشعر وكأنه يعيش في مستقبل بعيد ولكنه قريب في إمكانية تحققه.

يثير الفيلم تساؤلات حول الهوية الذاتية والإحساس بالوجود. الشخصية الرئيسية، موتوكو، تواجه صراعًا داخليًا بين هويتها البشرية وجسدها الآلي. هذا الصراع يعكس قلقًا نفسيًا عميقًا حول كيفية تأثير التكنولوجيا على الذات والذاكرة. يشكل التداخل بين العقل البشري والآلة تحديًا نفسيًا، حيث يصبح من الصعب التمييز بين الذاكرة الذاتية والتجربة المحسوسة. الفيلم يعبر عن الخوف من فقدان الذات والتآكل التدريجي للإنسانية في ظل التقدم التكنولوجي.

يتفوق الفيلم في استخدام تقنيات التصوير ثلاثية الأبعاد والسداسية لخلق مشاهد مستقبلية تفصيلية. الإخراج البصري يعكس تطورًا في التصور الفني ويستخدم الألوان والإضاءة لخلق أجواء تتماشى مع النمط الخيالي.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol