مونودراما فلسطين: رسالة لزمن آت
ضحى عبد الرؤوف المل
لم يخرج الممثل والفنان الفلسطيني "فواز بسومي" من المخيمات الفلسطينية في مسرحية "حكي قبور"، بل دخل قبورها أيضًا. فقد استخرج من الشخصيات التي تجسّدها لب الوجع الفلسطيني برمته، ويبكي الجمهور بعد أن أضحكه في عرض الإشكاليات الاجتماعية التي حبكها المخرج والكاتب "أحمد العربي خميس" بأسلوب مونودرامي. كشف عن قدرات الفنان "فواز بسومي" المسرحية؛ فقد استطاع الإمساك بالشخصيات ببراعة مونودرامية كشفت النقاب عن المسرح الفلسطيني، وقدراته التي تحتاج إلى تسليط الضوء عليها بقوة، ليكون نافذة على العالم. ولا سيما بموضوعاته الخاصة بشعب موجوع تعرض إلى الشتات، وإلى انتهاكات في حقوقه على الأرض التي يقترشها أينما حل، وكان فيها ضمن مخيمات خاصة باتت تكتظ بالسكان، لتشكل عنوانًا للبيت الواحد الفلسطيني بكل همومه ومشاكله ومآسيه.
يرصد البسومي شخصياته من قبور يحرسها أبو عيسى، الرجل الذي مات ابنه الشاب بعد أن جاهد لتعليمه الهندسة، فيموت في حادث سيارة، وهي من الواقع المعاش الذي يصدم الإنسان، ويتركه في هذيان الوجع كالسكير غير القادر على التوازن. وما بين الوجع والألم والفكرة المسرحية، لعبت المفارقات المسرحية دورها في تشكيل الضحكة الموجوعة، أي المضحك المبكي الهادف إلى خلق صورة مصغرة عن مخيم نهر البارد في شمال طرابلس لبنان. فهل المسرح المونودرامي الفلسطيني هو رسالة لزمن آت؟
تعرية للواقع وخلق من العالم الماورائي. انتقى منه "أحمد العربي خميس" شخصياته بتنوع اجتماعي، يوحي بقوة المعاناة التي يتعرض لها الأحياء من الفلسطينيين، وبمفارقات الكوميديا السوداء. لرجل أصيب بالجنون أو بالأحرى الجنون الواعي، والقادر على انتزاع الحقائق الحياتية لشعب من فلسطين التي ما زالت على قيد الحياة، وهي في قبور الاحتلال تنازع الوجود من خلال أبنائها ومشاكلهم في الشتات الذي بات يشبه مقبرة أبو عيسى التي تحوي أبناء الحي الواحد، أو أبناء المخيم، أو من استشهدوا في سبيل قضية البقاء، وتحرير فلسطين من يد المحتل بشكل اجتماعي بحت نلمس فيه معنى محبة الجيران، وخلافاتهم، والآفات الأسرية في احترام العائلة ومشكلة الزواج، والحب بين شباب المخيمات وهمومهم التربوية والتعليمية والفنية. وحتى الاستشفائية منها والمهنية لتجتمع كلها على مسرح "بيت الفن" في طرابلس، ولكنها في الحقيقة هي المسرح الفلسطيني كقطعة من الحياة التي يعيشها كل فرد من أفراد المخيمات على امتداد الوطن العربي برمته. فهل استطاع المخرج والكاتب "أحمد العربي خميس" الخروج من المخيم ليفتح لنا نافذة على أوجاعه؟ أم أن البسومي منح شخصياته الروح وفق قدراته التمثيلية التي أظهرت قوته التعبيرية في تجسيد الأدوار والحركة على المسرح، وهو ثابت في مقبرة جعلتني في كتاب مسرحي مونودرامي أقرأه، كما قرأت كتاب "الذاكرة الأزلية" لمايكل نيوتن، حيث يؤكد على ماورائيات الموت، ويحاكي أفراد كتابه بلغة علمية بحثية، بينما البسومي منحها روحية الحياة ما بعد الموت، لتشهد على تنوع الشعب المتماسك رغم معاناته ومرارته، والتراجيديا الحياتية بكل تفاصيلها التي أدركها المشاهد من خلال شخوص مسرحية "حكي قبور" التي تميزت بالبساطة من ديكور وإضاءة وأزياء، وما إلى ذلك من مقومات المسرح البصري التي كانت تحتاج إلى تقنيات سينوغرافية تؤدي دورها الاحترافي، كما فعل الفنان والممثل "فواز بسومي" في هذه المسرحية التي مزجت الخبر بالواقع، والتاريخ بالمونودراما، والحدث بالتراجيديا أو بالكوميديا السوداء.
لم يعد حارس المقبرة، ولم يبقَ ابنه من الأحياء، وأيحاءات ازدواجية لمشاكل تكاثرت، وباتت كالعبء المميت الذي يحمله كل فلسطيني على كاهله. ليخرج "أبو عيسى" على واقع النفي المجنون القدري، والمحمل بنتائج إنسانية اجتماعية تزداد على أبناء الشعب الفلسطيني بشكل خاص، وأبناء المجتمع العربي بشكل عام. فهل يحاول كاتب المسرحية كشف النقاب عن الظلم الذي يتعرض له هذا الشعب، وهو على أرض ولد عليها، وأنجب عليها ودفن عليها، ويخدمها كما الأبناء البررة وتنتهك حقوقه؟ أم أنه يمسح الحزن عن شخصيات انتقلت إلى العالم الماورائي وما زالت ترنو إلى العودة؟
أظهرت مسرحية "حكي قبور" الظلم الاجتماعي الأشد وطأة من الظلم السياسي، وإن كانا يرتبطان ببعضهما البعض من حيث القدرة على الاهتمام بالشعب، ولكن بعفوية يعيشها أبو عيسى المتوهم أن ابنه الذي تخرج من كلية الهندسة ودهسته سيارة ما زال حيًا، ليسترجع المشهد بوعي المتمني لابنه الشهادة. ليكون شهيدًا كالكثيرين الذين دخلوا المقبرة، وعشنا شخصياتهم مع الممثل "فواز بسومي" وقدراته المونودرامية التي تستحق بالفعل التصفيق بحرارة، كما فعل كل مشاهد استمتع وضحك وبكى في هذه المسرحية التي تميزت بالسهل الممتنع للمونودراما الفلسطينية "حكي قبور"، والتي تبشر بولادة مسرح من مخيم نهر البارد يتصف بالفهم الفني المرتبط بالأدب والمحاكاة من خلال إعادة للحدث الواقعي بلغة مسرحية محملة بالتورية والإيحاء والنقد الاجتماعي الحي، والمتفاعل مع الجمهور وقضاياه الحياتية التي تكشف النقاب عن مجتمع كامل يحيا في مخيم ذي مساحة محدودة يشبه خشبة المسرح التي اكتظت بالقبور.
برؤية أخرى وأنا أعيد نشر المقال الذي كتبته عام 2017 وتم نشره في جريدة المدى
مسرحية "حكي قبور" هي عمل مسرحي فلسطيني يعالج موضوعات تتعلق بالشتات، الانتفاضات السياسية، والمعاناة الاجتماعية لشعب فلسطين. من خلال تسليط الضوء على حياة الفلسطينيين في مخيم نهر البارد، تقدم المسرحية صورة عميقة للوجع والظلم الذي يعيشه الشعب الفلسطيني. يتم ذلك من خلال مونودراما يظهر فيها الفنان "فواز بسومي" قدرته على استحضار شخصيات متعددة تعكس مختلف أوجه المعاناة، مما يعكس الحالة الإنسانية والنفسية للأفراد في ظل الاحتلال والتشتت.
تعكس المسرحية الألم العميق والحزن العاطفي الذي يعانيه الفلسطينيون. تجسد الشخصيات في "حكي قبور" مشاعر الإحباط، الخيبة، والحنين إلى الوطن. يُظهِر "فواز بسومي" ببراعة التأثيرات النفسية للشتات وفقدان الأمل، ويعكس من خلال تجسيد شخصياته معاناة النفس البشرية في ظل الظروف القاسية. الشخصية المركزية "أبو عيسى" تجسد أزمة نفسية ناتجة عن فقدان الابن وتداعيات ذلك على الوعي والذاكرة، ما يجعل المشاهد يشعر بعمق الوجع والتناقضات الداخلية التي يعيشها الأفراد.
تتميز مسرحية "حكي قبور" بأسلوب المونودراما الذي يتيح للفنان "فواز بسومي" تقديم أداء مكثف وشخصي. تعتمد المسرحية على التقنيات المونودرامية التي تركز على أداء فردي، مما يسمح للعرض بأن يكون أكثر حميمية وتأثيراً. تُظهر التقنيات المسرحية من ديكور وإضاءة وأزياء بساطة تعزز من الصدقية وتجعل التفاعل بين الممثل والجمهور أكثر واقعية. الأسلوب الفني يسلط الضوء على الهموم الشخصية والجماعية، مما يعزز من التجربة الدرامية للمشاهد.
جماليات المسرحية تنبع من بساطتها وتعبيرها العميق. المسرحية تستخدم عناصر المسرح بشكل محدود ولكن فعّال، حيث يبرز جمال الأداء التمثيلي والشخصيات بأقل عدد من العناصر المسرحية. استخدام البساطة في الإضاءة والديكور يُظهر جمال العمل المسرحي من خلال التركيز على الأداء البشري والأبعاد النفسية للشخصيات. الجمال في "حكي قبور" يأتي من قدرتها على استحضار مشاعر قوية من خلال الأداء القوي للممثل وتقديم رسالة مؤثرة عبر العناصر المسرحية الأساسية.
المسرحية تُظهر تنوعًا كبيرًا في التعبير عن المشاعر والتجارب الإنسانية. التعبير عن الألم والفقدان يتم عبر الأداء المتميز الذي يقدمه "فواز بسومي"، والذي يجسد الشخصيات بكل تفاصيلها العاطفية والنفسية. من خلال التعبيرات الجسدية والنصية، يعكس البسومي الصراع الداخلي والخارجي للشخصيات، مما يسمح للجمهور بتجربة الوجع الفلسطيني بشكل مباشر. الأداء المسرحي يعبر عن مشاعر متناقضة، حيث يجمع بين الكوميديا السوداء والتراجيديا، مما يعزز من عمق الرسالة المسرحية.
"حكي قبور" تقدم دراسة حالة مثيرة للاهتمام لأسلوب المونودراما في المسرح الفلسطيني. تركز المسرحية على شخصية رئيسية تتحدث إلى الجمهور، مما يخلق اتصالاً وثيقًا بين الممثل والجمهور. النص المسرحي يدمج بين الدراما الكلاسيكية والمسرح الحديث، ويستفيد من تقنيات المونودراما لإبراز الصراع الداخلي والتجربة الشخصية للشخصيات. البناء الدرامي للمسرحية يعتمد على التركيز المكثف على الشخصيات والتجارب الفردية، مما يعزز من تأثيرها العاطفي ويجعلها تجربة مسرحية فريدة.
مسرحية "حكي قبور" هي عمل درامي موسوم بالعمق والصدق، يعكس بوضوح المعاناة الفلسطينية من خلال أداء مونودرامي متميز. من خلال تقديم موضوعات معقدة ومتعددة الأبعاد بأسلوب بسيط وفعّال، تبرز المسرحية الجوانب النفسية، الفنية، والجمالية للحالة الفلسطينية، مما يجعلها تجربة مسرحية مؤثرة تعبر عن الألم والإنسانية بشكل عميق ومؤثر.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol