زمن ما قبل الذاكرة

ضحى عبدالرؤوف المل

قراءة في رواية "ساق البامبو" لسعود السنعوسي

أي تيه هذا الذي أنا فيه؟ إحساس قوي بفقدان الانتماء، إلا أن للاسم إيحاءات متعددة من حيث الوجود كإنسان معروف الأب من خلال ورقة زواج معترف بها، ولكنها مرفوضة اجتماعيا، لأنها جمعت خادمة مع رجل من عائلة مرموقة اجتماعيا، وكثيرا ما تناول الأدب مثل هذه الفروقات الاجتماعية، إلا أن سعود السنعوسي استطاع صياغة الفكرة بحداثة معاصرة روائيا، وبجرأة روائية يحس القارئ فيها بقوة الصرخة الموجعة من الداخل الوجداني، والألم الحسي المتوارث من الأم إلى الابن، وهو الابن الشرعي لأب مدرك صعوبة المجتمع الذي يعيش فيه مع أم لها هيبة ووقار الجدات، وفي هذا رمزية للأسس الفكرية المختلفة بين المجتمعات مقارنة بين الجدة تشولنغ وعاطفتها القوية المخفية نحو ابنها، والجدة غنيمة وقوة شخصيتها، لأنها لم تستطع منع نفسها من البكاء عند سماع صوت حفيدها عيسى الشبيه بصوت ابنها راشد الذي مات في الحرب.

يساير سعود السنعوسي الزمن الروائي في روايته "ساق البامبو" التي ترجمها بصدق فني سيميائي إبراهيم سلام الفلبيني، ودققتها لغويا خولة راشد الكويتية، في حركة صدق فني مرهونة بمدى فهم القارئ لها، لأن اليد الواحدة لا تصفق، والثقافات مرهونة بتفاعلات العناصر المشتركة في منحها حيوية معرفية، لنشعر بأن كل شيء في الرواية حقيقي، ويكبر زمنيا إلا الحلم، فهو انتظر زيارة بلاد العجائب بعد أن اتبع وعود أمه الفلبينية جوزفين التي أقنعته أنه يعيش في الجحيم، وأن الكويت هي الجنة التي يستحقها، كرؤية موضوعية مستوحاة من مشكلات اجتماعية تجعل من كل شيء سببا، حيث استطاع السنعوسي تشييد المعطيات الواقعية داخل منهجية روائية منظمة فكريا وفلسفيا، تكوّنت آفاقها من خلال مفهوم ما يقوله الروائي إسماعيل فهد إسماعيل: "علاقتك بالأشياء مرهونة بمدى فهمك لها" من هنا بدأ السنعوسي تكوين الشخصية الروائية المترابطة بقوة، حيث العلاقة المتينة التي بدأت بما يشبه "ساق البامبو في أرض ميندوزا، وساق البامبو في المزهرية، وإن بدا البامبو في غير محله في تلك المزهريات الفاخرة، مثلي تماما في بيت الطاروف". فالتشبيه المكاني والزماني تنشأ عنه صورة تخيّلية تفضي بالقارئ إلى الإحساس بقوة الانفعالات التي تمر بالروائي عيسى الفلبيني من الأم، والكويتي من الأب الذي "ليس بيده القرار، لأن مجتمعنا كاملا يقف وراءه"

مؤثرات اجتماعية طرحها من خلال نقاط أساسية سردية روائية، تكنيكية تحمل من دواخل الشخصيات انطباعات جعلت القارئ يتضور من استفزازاته الصادقة التي تثير قضية الانتماء بكل مراحلها من اللا شيء إلى كلِّ شيء، وهذا ما دفع عيسى بن راشد إلى اتخاذ القرار بالبدء في كتابة روايته، يستطيع من خلالها إطلاق صرخة مؤلمة للجميع، فهو "أراد أن يغيّر الواقع برواية صريحة وقاسية" ولكن باللغة الفلبينية "تصوّر مدى جنون والدك، كان يتحدث إلى الخادمة في الأدب والفن وشؤون بلاده السياسية، في حين لا أحد هناك يتحدث مع الخادمات بغير لغة الأوامر". إلا أن خولة وهي من الجيل الثاني والقريبة من عمر أخيها عيسى تقرأ بنهم الرواية التي كتبها الأب للمرة الألف، إضافة إلى الكتب الأخرى الموجودة في مكتبة راشد التي تتصدرها صورة لتولستوي العظيم.

تقنيات أدبية وروائية معاصرة استخدمها فنيا بجدلية مشهدية وسينوغرافيا تحاكي سينمائيا المشاهد المتخيّلة، ليصوّر القيود الاجتماعية التي تخنق الواقع، وتجعله محصورا بين براثن حياة يتم تكوينها عبر العائلات التي تؤثر أحداثها على الأخرى، فالعناصر المحيطة بالانفعالات المغايرة بين الفلبين والكويت تختلف، فابن بيئة ما لا يمكن أن يحيا بغير الأسس التكوينية التي نشأ عليها منذ الصغر، أو تلك العقائد الدينية غير المفهومة عند البيئات المختلفة، إلا أنها متقاربة من حيث المفاهيم الجوهرية لكل منها، وهنا استطاع السنعوسي إبراز قوة الإيمان في تحديد مسارات الدين بعد تخبط عانى منه عيسى بن راشد الذي تلقى صوت الأذان في أذنه عند ولادته، فهو يتساءل دائما عن هويته الإنسانية والدينية والوطنية باستمرار: "وماذا عن إيماني بوجود إله واحد لا يشاركه أحد.. صمد لم يلد ولم يولد؟ أمسلم أنا من دون اختيار؟"

ترك السنعوسي أبواب الحكمة تتراوح بين خوسيه ريزال البطل القومي للفلبين، والروائي الذي أعدم بسبب رواية واقعية كتبها أدت إلى تحرير الفلبين من المحتل الإسباني، ويبن إسماعيل فهد إسماعيل الروائي الكويتي الذي كتب "إحداثيات زمن العزلة" وهو في الفلبين تاركا لنفسه مساحة خاصة من أقوال تجعلك تفكر بحكمتها، كأنك سلحفاة خولة أو سلحفاة ميندوزا حيث يقول: "نحن لا نكافئ الآخرين بغفراننا ذنوبهم، نحن نكافئ أنفسنا ونتطهر من الداخل" فالمستويات العاطفية والعقلانية في الرواية تراوحت بين الموضوعية والذاتية والتفكر في سلطة الكلمة التي وجهها السنعوسي للمجتمعات المختلفة باختلاف جنسياتها وأديانها، لتجعل من الإنسان البوصلة الحقيقية للوجود الإنساني، وهذا ما ترك انطباعا مؤثرا جعلني أتذكر لوحة الصرخة للفنان النرويجي إدوارد مونش، فالصورة التخيلية قوية من حيث مؤثراتها التعبيرية "أن يزأر القط الصغير بصوت لا يتناسب وشكله أمر أشد وقعا من زئير الأسد".

مقاصد أدبية اجتماعية توجّه بها روائيا بصرخة فلبيني موجوع، وهو يحاول تحدّي وجوده في بيئة رفضت زواجه من هند المدافعة عن حقوق الإنسان، وهومن شارك الأخ من عائلة الطاروف الحرب، وحاول تنفيذ الوصية التي شك في مصداقيتها عيسى بن راشد، لأن الحرب وإن انتهت من الأمكنة فهي لا تنتهي من النفوس، كما حدث مع جده ميندوزا بعد أن شارك في حرب فيتنام، وأكملها بصراع الديكة، وكما أكمل غسان حربه من إثبات هويته كمواطن كويتي عن طريق إثبات هوية عيسى بن راشد،  فالحرب ليست "هي القتال في ساحة المعركة، بل تلك التي تشتعل في نفوس أطرافها، تنتهي الأولى، والثانية تدوم، فهل انتهت حرب الانتماء في رواية ساق البامبو عند قلم وورقة خط عليها هوزيه معالم رواية تناسى فيها الأب" إن النباتات الاستوائية لا تنمو في الصحراء".

Doha El Mol