هذا سيكون واقعياً.

ضحى عبدالرؤوف المل

فيلم "الفراشة السوداء" (Black Butterfly) للمخرج "براين جودمان" والممثل "أنطونيو بانديراس" ضحى عبدالرؤوف المِلّي، يسيطر المؤلف والكاتب في فيلم "الفراشة السوداء" (Black Butterfly) للمخرج "براين جودمان" على النص السينمائي ليقودنا إلى الأسلوب التخيلي في الكتابة، حيث طريقة صنع الحدث، ليكون بمثابة الرؤية الحقيقية للواقع الحرفي لعالم الكتابة الذي يتطلب تضحية، حيث يتهاوى النص في اللحظة الأخيرة. فالعزلة تمكنك من العمل بكفاءة دون أي تشتيت، إلا أن للنهاية أهميتها التي يضع من خلالها الكاتب نفسه في صراع يحتاج إلى فصل بين الأبيض والأسود، كما فعل الكاتب في الفيلم حيث استسلم للوقائع وتركها تنمو. لتصل إلى الذروة قبل أن تنحدر في صراعاتها وتصل إلى نهاية يفضل فيها نهايته المنطقية على النهاية المتخيلة. وهذا يجعل المشاهد في حيرة من أهداف هذا الفيلم، الذي يعالج فيه المؤلف تقنية الكتابة والتأليف التي تجعل من المشاهد نفسه هو الكاتب، وتوحي بتحرير النفس من الأوهام وعدم التخبط بين الخير والشر بعشوائية قد نفقد السيطرة عليها. وهذا ما يجعل من هذا الفيلم مادة أدبية فنية ترسم الطرق العديدة لولادة النص السينمائي العفوي، والمخلوق من المتخيل الذاتي عبر تحويل الأشخاص إلى عكس ما هم عليه. فهل استطاع "براين جودمان" خدمة النص عبر الإخراج القائم على توسيع المشهد واعتماده على عدم إشباع البصر؟

تبرز تقنية الكتابة والتأليف في فيلم "الفراشة السوداء" على الصورة المشهدية، حيث يؤكد الكاتب من خلالها على ما يغذي الخيال الخصب والواقع في متاهات التلاشي، في أي لحظة قد يتدخل فيها الكاتب، بما يمكنه من طهو الموضوع على نار هادئة حيث تتكون الشخصيات تلقائيّاً من المخيلة الواقعية عبر الخلق. إذ ينقطع "أنطونيو بانديراس" عن العالم ليترّكز على كتابة سيناريو فيلم نشاهد تفاصيله من خلال السيناريو الخاص الذي قاد المخيلة نفسها إلى الخلق والإبداع. فالأحداث، وإن بدت من أنواع الأكشن والإثارة، إلا أنها تحمل في طياتها المفاهيم والأسس التي يعتمد عليها كاتب السيناريو في الكتابة من حيث تكوين الشخصيات كما هي وتحويلها إلى فكرة. لأننا أحرار نختار ما نريد في تطلعاتنا الحياتية. فالمخيلة البديعة هي التي تنتج التصورات المبنية على أمنيات النفس التي تريد التخلص من مشكلاتها، بل والتحرر من بوتقة القيود الاجتماعية المرتبطة بالحماية الشخصية أو حماية الإنسان نفسه من الأخطار التي يضع نفسه بها. لخلق الحدث حيث تنتصر إرادة الإنسان في رسم النهاية، ومتى يريد على عكس المخيلة المقيدة بالرؤية النهائية، المنطقية التي يفرضها المخ، الشبيه بالفراشة السوداء التي وضعها برمزية تخيلية مخرج الفيلم "براين جودمان" الذي ينهي الفيلم على الصراع مع الذات التي يعيشها الكاتب في نهاية عمله الكتابي، مؤكداً في الفيلم على تقنية الكتابة والتأليف وأهميتها في حياة السينما التي يشاهدها الملايين من الأشخاص حول العالم.

تمر كتابة السيناريو بمراحل أشبه بأطوار الفراشة السوداء حيث تتبدل فيها الأشكال، كما تتبدل مسيرة الشخصيات وتنقلب الأحداث رأساً على عقب في مخاض كتابي يتمحور حول الانغماس في لذة الكتابة وخلق الأحداث لتكون بين الاثنين أشبه كما بين المؤلف وخياله. لنعيش صراعات تشبه الألوان التي تركها المخرج في شارة البداية، وهي صراع الخير والشر من خلال لونين الأبيض والأسود، وشدة الاندماج أو التلاشي بينهما. لتكون شارة البداية هي تكملة للرمزية التي أحاطت بالفيلم، بل وشد أواصره "أنطونيو بانديراس" بأسلوبه العفوي والطبيعي ضمن المشاهد القصيرة التي تهدف إلى عدم إشباع العين والذهن من المعنى المتسلسل مع المشاهد المحبوكة. لشد العلاقة بين المشاهد بقوة ضمن مدة زمنية محدودة تثير الشغف التذوقي، وتجعل الحس الفني يتضور جوعاً منتظراً تلقي المزيد من المشاهد المكملة للفيلم الذي يعتبر هو بحد ذاته مغامرة سينمائية، لأنه يعالج موضوع خاصية السيناريو السينمائي أو الرواية الأدبية بأسلوب رمزي قد يكون موجهًا لخاصة الخاصة من المجتمع.

تطورات موسيقية تناسقت وتناغمت ومنحت الفيلم مزيداً من التأثير والتأثر، والمحاكاة السمعية المرافقة لتطورات كتابية في هذا الفيلم المبني على تجهيز الواقع لمادة سيناريو دسمة يحضرها بطل الفيلم، إلا أنه يقع في دوامتها ومراحلها المختلفة. إضافة إلى الاحتمالات المتعددة التي تسمح للمشاهد بالتفكير في نهايات فيلم هو بحد ذاته السيناريو الذي كتبه البطل، وعلى المرء أن ينظر إلى أي تطور عبر المراحل المتعددة التي يجب أن يمر بها أي كائن حي، وصولاً إلى المخاض فالولادة ومن ثم التحرر والتحليق في فضاءات الخيال الذي يؤدي إلى خلق الواقع.

برؤية درامية أخرى كتبت بعد أن تم نشر المقال في الصحف عام 2017

\

فيلم "الفراشة السوداء" يترك انطباعًا عميقًا ومركبًا في ذهن المشاهد. من اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، ينجذب المتفرج إلى الأجواء الغامضة والمعقدة التي يخلقها المخرج براين جودمان. يراود المشاهد شعور بالقلق والإثارة، حيث يحاكي الفيلم رحلات النفس البشرية إلى عمقها المظلم. الانطباع الأساسي الذي يتركه الفيلم هو الانغماس في عالم داخلي مليء بالصراعات والتناقضات، مما يثير التفكير والتأمل. إذ يركز الفيلم على عملية الكتابة وتحدياتها، مما يجعله دراسة في كيفية تعامل الكاتب مع النصوص وصراعاته الداخلية. يعرض الفيلم الصراع بين الواقع والخيال، والتفكك الذي يحدث عندما يتعرض الكاتب لضغوط كبيرة. كما يُظهر الفيلم كيف يمكن لعزلة الكاتب أن تكون سيفاً ذو حدين: من جهة تمنح فرصة للتركيز والإبداع، ومن جهة أخرى قد تؤدي إلى اضطرابات نفسية وتجارب مرهقة.

يقدم الفيلم تحليلاً عميقاً للصراعات الداخلية التي يعاني منها الكاتب. يعكس الصراع بين الأبيض والأسود في الفيلم التناقضات النفسية التي يواجهها البطل، وهو في حالة مستمرة من البحث عن الذات. تجسد المشاهد النفسية توترات الكاتب بين إبداعه الداخلي وبين الواقع الخارجي الذي يفرض عليه قيوداً. يُبرز الفيلم كيف يمكن أن تكون الكتابة وسيلة للهرب من الضغوط النفسية ولكنها أيضاً تضع الفرد في مواجهات صعبة مع نفسه.

يتميز الفيلم بأسلوب إخراجي يتقن مزج الواقع بالخيال، مما يعزز الأجواء المظلمة والغموض. يعتمد جودمان على تقنيات الإخراج البصرية مثل الإضاءة القاتمة واللقطات المكثفة لتسليط الضوء على الصراعات الداخلية للشخصيات. كما أن الموسيقى التصويرية تلعب دوراً هاماً في تعزيز الأجواء النفسية للفيلم، حيث تستخدم تنوعات موسيقية لتكملة المواقف الدرامية ولإضفاء أبعاد إضافية على المشاهد.

تظهر في طريقة تصويره وتجسيده للألوان والتفاصيل الدقيقة التي تعزز من جمالية العمل. يستخدم المخرج تقنيات فنية مثل التقريب والابتعاد عن الشخصيات لخلق شعور بالتقارب أو البعد بين المشاهدين والشخصيات. الألوان المستخدمة، مثل الأبيض والأسود، تعكس الصراع والتباين بين الخير والشر، مما يضيف بعداً جمالياً وتعبيرياً للفيلم.

يبرع الفيلم في توصيل الرسائل الرمزية عبر كل عنصر من عناصره. تظهر رمزية الفراشة السوداء كرمز للتغيير والتحول والتعقيد النفسي. يعبر الفيلم عن الحيرة والتجربة الإنسانية من خلال تعبيرات الشخصيات والمواقف التي يمرون بها. الأسلوب التعبيري للممثلين، خاصة "أنطونيو بانديراس"، يعكس الجوانب المتعددة لشخصياتهم ويعزز من عمق العمل.

يقدم الفيلم سرداً معقداً يتداخل فيه الواقع مع الخيال بمهارة، مما يجعله دراما نفسية مثيرة. تتصاعد الأحداث بشكل تدريجي حتى تصل إلى ذروتها، حيث تلتقي الصراعات الداخلية بالشخصيات في مواجهة حاسمة. هذا الأسلوب يعزز من فعالية الحبكة ويجعل من الفيلم تجربة درامية فريدة، تجمع بين الأبعاد النفسية والفنية لتقديم رؤية شاملة لمعاناة الكاتب وأزماته. إذ ىيُعتبر فيلم "الفراشة السوداء" عملاً سينمائيًّا معقدًا وغنيًا بالتفاصيل، يدمج بين الأبعاد النفسية والفنية لتقديم تجربة درامية عميقة ومتنوعة.

فعندما يجتمع المخرج براين جودمان مع النجم أنطونيو بانديراس في فيلم "الفراشة السوداء" (Black Butterfly), نجد أنفسنا مدعوين إلى رحلة درامية عميقة، تتخطى حدود الواقعية لتغوص في أعماق النفس البشرية. الفيلم، الذي يتسم بغموضه وتفاصيله الدقيقة، يسلط الضوء على التفاعل المعقد بين الكاتب وعمله، ويكشف عن كيفية تداخل الفنون مع الأزمات الشخصية.

تدور أحداث الفيلم حول كاتب معزول، يلعب دوره بانديراس بإتقان بارع، وهو يسعى للهرب من ضغوط الحياة من خلال الإبداع. هذا التوصيف ليس مجرد تقديم لشخصية معقدة، بل هو دعوة لفهم الصراعات النفسية التي تواجه الكُتاب: العزلة، الإبداع، والأزمات الداخلية. تتيح لنا تفاصيل الشخصية العميقة والنزاعات الدرامية التي يمر بها بانديراس فرصة للتعرف على التوترات التي تتخلل عملية الكتابة. تأخذنا تفاصيل تعبيراته وحركاته في رحلة عبر عوالم خفية، حيث تتداخل التحديات الشخصية مع رحلة الخلق الفني.

ما يميز "الفراشة السوداء" هو تلاعبه البارع بين الخيال والواقع. يتمتع الفيلم بإيقاع ديناميكي، يتميز بالقدرة على دمج مشاهد غامضة ومعقدة دون أن يفقد المشاهد في دوامة من التناقضات. بفضل إخراج جودمان المتقن، يشعر المشاهد بالانزلاق التدريجي من الواقع إلى الخيال، حيث تتحول كل لحظة إلى قطعة من الأحجية الفنية. تساهم تقنيات التصوير والإضاءة في تعزيز هذا الشعور، مما يجعل من كل لقطة جزءًا لا يتجزأ من تجربة درامية ممتعة.

تمثل الفراشة السوداء في الفيلم رمزاً للتغيير والتحول، والرمزية هنا تعكس التحديات التي تواجه الشخصيات، وخاصة الكاتب. الطور المختلف للفراشة يعكس مسارات متعددة للنمو والتطور، في توازي مع الصراع الداخلي للشخصية الرئيسية. من خلال هذا الرمز، يعبر الفيلم عن الصعوبات التي يواجهها الكاتب في مسيرته، وكيف يمكن للتحديات أن تؤدي إلى النضوج والتحول الإبداعي.

الأبعاد البصرية والموسيقية في الفيلم تجسد انسجاماً رائعاً بين الصور والأصوات. الإضاءة الداكنة والتصوير الدقيق يخلق أجواء متوترة تتماشى مع الصراع الداخلي للشخصيات. الموسيقى التصويرية، بدورها، تضيف طبقة إضافية من التأثير الدرامي، حيث تعزز من الإيقاع العاطفي للفيلم وتكمل اللحظات الأكثر أهمية.

في النهاية، "الفراشة السوداء" ليس مجرد فيلم درامي؛ بل هو تأمل في الطبيعة البشرية، وصراع بين الخيال والواقع، وتعبير عن الأزمات الداخلية التي تواجه المبدعين. من خلال سرد محكم، ورمزية عميقة، وتصوير فني متقن، يقدم الفيلم تجربة درامية تلامس أعماق النفس البشرية وتكشف عن الحقيقة الكامنة وراء كل قصة. إن رؤية الفيلم تترك بصمة قوية، تجسد المعاناة والتحول الذي يمر به الكاتب، مما يجعل من "الفراشة السوداء" عملاً فنياً يثير التأمل ويستحق التقدير.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol