هل الراوي أداة وظيفية دالة؟
ضحى عبدالرؤوف المل
قراءة في كتاب" الراوي.. الموقع والشكل" للدكتورة يمنى العيد
تبحث الدكتورة يمنى العيد في كتابها "الراوي الموقع والشكل"عن الراوي الفني من خلال السرد الفني العربي المعاصر، بغض النظر عن هوية النص الذي اعتمدته وفق أنماط الصياغة المتماسكة المتعلقة بالزمان والمكان، إذ يثير الراوي المخفي خلف شخوصه تحليلات الدكتورة يمنى العيد مشيرة إلى أهمية رواية نجيب محفوظ "ميرامار" التي قدمت للسرد الفني العربي نمطا من البنية متميزا في الشغل، مركزة بذلك على بلورة مسألة الموقع للراوي، وذلك بإظهار العلاقة العضوية بين موقع الراوي ونمط البنية، وبانفتاح موقع الراوي على أصوات الشخصيات، رافضة أن تكون مجرد متلق تنطبع على سطح ذاكرتها حمولات النص الذي يستقطب اهتمامات القارئ .
تمس الدكتورة يمنى العيد مستويات المتخيل، أو المعادلة الجمالية من خلال العلاقة التي يقيمها القارئ، وبمتغيرات دلالية وفق علاقة النص بموقع القراءة، والمتعلقة بالنص والسرد والأطراف المتنوعة بمواقعها المختلفة، من حيث التأويل، والثابت والمتحول، أو تحويله إلى قيمة وبتحرر ذي تقلبات نفسية تنتاب الكاتب والقارئ ضمن استراتيجية تفضي إلى مستويات ثقافية تساهم في التماهي مع النص، وباستنطاق له أدواته وأنماطه وعناصر بنيته المتحكمة في الكشف على رؤية النص ودواخله، وتبعا لمناهج القراءة وبروح نقدية، مما يجعله خاضعا للتداول المعرفي ضمن منهجية القراءة أو" نقدها وإبداعها في زمنها الاجتماعي" مؤكدة على النصوص المحيطة بنا، وكأنها الأزياء الباهرة التي تحاصرنا، فهل نحن مجرد متلق؟ أم أن امتلاك سبل المعرفة يؤمن للنقاد الراحة في قراءة تتحول إلى نقد وبالعكس؟
من المألوف أن تكون القراءة هي نقد متعلق بالقارئ، وفي الوقت نفسه نشاط تعبيري حواري بين المتلقي والمؤلف، وبنمو وتحول لفعل إعادة الإنتاج كما تقول الدكتورة يمنى العيد في كتابها هذا، إذ تطرح فكرة ثنائية التعبير"كل متكلم مستمع، وكل مستمع متكلم" فالكلام مخاطبة وتوجه وتعبير لغوي بطابع "الصراع الذي يحكم علاقات الناس المادية ، وممارستهم الاجتماعية" فهل تحاول الدكتورة يمنى العيد تحرير الواقع الروائي من حيث الموقع والشكل؟ أم أن الجدليات الأيديولوجية تنفي أن كل تعبير هو من موقع، وكل موقع هو موقع أيديولوجي.؟
يحتاج قارئ كتاب الدكتورة يمنى العيد إلى إعادة قراءته أكثر من مرة، لأنها تجيد لغة التخاطب والتحاور مع القارئ بوعي نقدي تختلف فيه المواقع بأشكالها المتعلقة بصراعات ذات أوجه دينامية حركية، وبأسلوب أكاديمي تشريحي، وباختلاف نسبي بين موقع وموقع، أو بين سيد منبر ومتلق أو" سامع ليس له أن يقول لو ينطق ويعبر، بل له أن يصغي ويتعلم" وهذا ما فعلته الدكتورة يمنى العيد مع قارئها الذي منحها بجدارة لقب صاحبة الخطاب "الحق"، فهل تمارس سلطتها النقدية على القارئ؟ أم أن نقدها الأكاديمي يحتاج إلى نوع من السلاسة التي يستجيب لها القارئ العادي، فيحاول فهم ما يقرأ بأسلوبها النقدي ؟
السؤال العبثي أو السؤال المستحيل يضع القارئ مباشرة أمام عصف ذهني يثير في نفسه عدة تساؤلات، مصدرها الاستنتاجات التي تقدمها الدكتورة يمنى العيد تدريجيا، لتبسيط الفهم، ومساعدة القارئ على فهم التشريح الذي تعتمد في معادلتها النقدية، وما بين النزعة الغيبية والنزعة المادية الميكانيكية جدلية تحليلية تحت عنوان الكتابة والتحولات الاجتماعية تاركة للواقع شكله الأدبي ومنزلقاته ، فتقطع الحركة هذه بين طرفها حينا، وتطابق بينهما حينا آخر، لتبقى في كلتا الحالين محتفظة بطبيعته الإنتاجية، فهل تحاول وضع الرواية تحت مجهر النقد الصارم، أو أنها تضعنا مع الراوي في الموقع والشكل؟
تعتبر الدكتورة يمنى العيد الكتابة نشاطا ذهنيا، أداته اللغة من حيث هي ممارسة التعبير بصياغة بنية الشكل، فهل كينونة التعبير تختلف عن كينونة السرد أم أن عملية إنتاج النص تخضع لطبيعة اجتماعية يتمسك بها الكاتب الروائي المتميز في بنائه المادي المتحول؟ وذلك بإبراز مهمة الناقد الشاقة في إظهار قيمة النص معتبرة أن الكتابة تصارع الكتابة، وتمارس في ذاتيتها النقد بطابع صراعي أيضا مع التعبير الحي وهو" الشفوي المسموع والصامت المكبوت" فالنشاط النقدي تحدده الكتابة نفسها " على أن الرؤية من موقع هي شكل من أشكال الوعي" إلا أن للقوانين والقواعد رهبة عند القارئ، إذ تبدو لعبة تفكيك النص حركية في زمنيتها التي تتبلور في مسرحية "أوديب ملكا "اعتمدت على منظور المنهج الشكلي، ومنطق الترابط والتماسك في توالي الأحداث بدءا من الأخيرة، والتحكم بالبنية، فهل سطوة القدر موجودة عند الأديب ؟
استطاعت الدكتورة يمنى العيد التحليق بنا في منهجيات النقد الذاتية، والموضوعية المنضبطة أكاديميا في نظرتها إلى خلفيات الرواية أو الحكاية أو المسرحية ضمن الهوية الأيديولوجية الاجتماعية، وبانحياز خفي ترك أثره في صيغة القول، وكما تقول عنها: " الأسلوبية الدلالية" فالأسلوب النقدي في كتابها هذا "الراوي الموقع والشكل" شديد بأنماطه التحليلية واختباراته للكتاب من نجيب محفوظ إلى عبدالرحمن منيف والطيب الصالح، لتختم رحلتها النقدية بالفني ديمقراطي، لندرك معها وبإقناع لا يحتاج إلى تفسيرات بعد كل التشريح الذي قدمه الكتاب لفهم منهجية النقد التي تتخذ من زوايا النظر نقطة انطلاق لها، مختزلة مساحة الكلام بعد كل ذلك بالعودة به إلى حدود الموقع، وما يتبع ذلك أتركه للقارئ، لأن الكتاب يحتاج إلى قراءات، فقراءة واحدة لا تكفي.
Doha EL Mol