قيمة الفرد والجماعة في الأداء والتقنية والحياة الجماعية المتناغمة مع فكرة السلام.
ضحى عبدالرؤوف المل
مسرحية "ذاكرة الظلام" (Mémoire de l'ombre) كوريوغرافيا "كين أوسولا"
استعاد "كين أوسولا" مفهوم السلام الداخلي النابع من التصميم المسرحي أو الكوريغرافيا المنصتة لفراغات الضوء التكوينية للظل، والمهمة في إظهار حركة الظل والضوء معًا، وعشقه لهما في أسلوبه الذي يستخدمه في تكوين أبعاد الرقصات ضمن المساحات الواسعة في مسرحية "ذاكرة الظلام" (Mémoire de l'ombre)، التي تتجاوز في رؤيتها التناقضات الحركية الموحية بالخير والشر، والظل والضوء، وصنوف الانفعالات المؤدية إلى تشكيل المعاني المرئية، وأبعادها الفكرية المرتبطة بمقاربات فنية متمسكة بالكوريغرافيا المدروسة، والقادرة على منح المشهد الحركة الموسيقية وروحية الجسد لإبراز هويته الإنسانية، المؤثرة على ثقافات الجسد والإيماء البناء والواعي، وهو بمثابة الشعلة التي تكتسي أهمية معرفية ينتج عنها يقظة جمالية قوامها الخطوات النابعة من لغة الجسد، وقدرته على ترجمة الحدث بمعالم إنسانية واضحة. تنم عن قيمة النفس البشرية ومزاجيتها في إبراز القدرة الانفعالية من خلال اللاوعي. رغم أننا متشابهون، إلا أن ما يميز الإنسان عن الآخر هو الاحتواء الداخلي كمعنى السعادة والحزن والتداخل بينهما تمامًا كما بين الظل والضوء الذي يترجمه مصمم الرقص "كين أوسولا" في مسرحية "ذاكرة الظلام"، التي ما زالت تعرض وبنجاح كبير على المسارح الكبرى في العالم.
تستخرج هذه المسرحية ما في النفس من مشاعر مدفونة في عمق مفاهيم الحياة والموت، وضعف الكيان للظل الحي أو المؤكد على واقع يظهر أهمية التنوع البشري في العتمة والنور أو الوعي واللاوعي. فقط لأننا متشابهون في الحياة، يبقى صراع البقاء يحتاج للبعد الإنساني في بناء المجتمعات غير القابلة للتجزئة. لأننا كأفراد نعتبر أن موروثنا المتكون في خلايا الأجساد التي تتحرك وفق إيقاعات الداخل والخارج مرتبط بالفكر ومعناه الحي في أرواحنا التي تمنح هذا الجسد جمالية الحركة والتعبير، واللغة البصرية باتجاهاتها المختلفة المتصلة بقيمة الفرد والجماعة في الأداء والتقنية والحياة الجماعية المتناغمة مع فكرة السلام.
تكوين راقص وواسع الحركة يحيلنا إلى الموسيقى وقيمتها الجوهرية في توليف الأجزاء المسرحية، أو بالأحرى شد المشاهد لبعضها البعض، وكأن "كين أوسولا" يعيد تشكيل الحياة على خشبة المسرح وفق نظرية الحركة في رقصات الباليه ونظمها المكتسبة من التمرينات، والاكتساب الحركي المؤلف لإيقاعات تتناسق مع الموسيقى وخصائصها السمعية المؤثرة على الحس الإنساني، وانطباعه الداخلي كنوع من الانسجام الطبيعي مع الجمال النابع من قوة الإنسان وقدرته في تشكيل الأحاسيس والمشاعر المتمركزة حول الذات والآخر، أو الشعور الوجداني أو العاطفي والعقلاني المنبعث من الإشارات والإيحاءات التي تستحضر جدلية الرقص في إبراز المعتقدات التي تنطوي على الكثير من الحقائق والخرافات، أو حتى على الإيمان بالقدرة على تحقيق الذات والجمالية النابعة من الوجود.
موسيقى "غوستاف ماهلر" وظلال النغمة الحسية كقطع سمعية تتسلل إلى الحواس، وتشكل تحديات قوية مع حركة الجسد والتعبير الموسيقي بخفة ورشاقة، والتفافات تجسد كل منها النغمات القوية والخفيفة لنوتات ماهلر واللاوعي المثير للقلق والخوف، والفرح، بتألق يكشف عن وجود رغبات راقصة تناغمت من اللحن وأطواره النغمية لكل عبارة موسيقية سمحت للراقصين التقاط الإيحاءات العابقة بعمق الحركة لإظهار الظل وحيوية الوجود للضوء أي الإنسانية. إذ تبرز المسرحية قدرة الإنسان على التعبير عن عواطفه بالتآزر والتآلف والتعقل، والكف عن هذيان المجتمعات في بث النزاعات. لأننا بطبيعتنا البشرية نميل إلى الخير والشر والجمال والقبح والأبيض والأسود والظل والضوء الذي افتتن به "كين أوسولا" وترجمه في هذه المسرحية. لتنطلق شرارة الفهم الإنسانية من الكوريغرافيا إلى أجساد الراقصين. لأن داخل كل إنسان يقبع التعبير المختزن لخاصية الحياة، وحيثيات اللحظات التي نؤمن بها ونعيش من أجل تحقيقها حتى النهاية للوصول إلى الاعتراف بالآخر، الذي يشكل الجزء الأهم في التشكيل الإنساني. وما الكوريغرافيا التي قدمها "كين أوسولا" إلا هوية للحياة التي نعيشها حاليًا بين الظل والضوء، أو بين الاعتراف بالآخر وحاجتنا إليه، أو بين ظلامية اللاوعي وذاكرة الضوء والوعي الحركي، لاستكمال الحياة بعيدًا عن العنصرية واحتمالية الخطأ والصواب، لإعادة تصويب المعرفة المتكونة من فوتونات إما ضوئية أو سمعية أو حسية أو مادية تتحول إلى عناصر حية تؤدي إلى الإدراك والفهم.
برؤية أخرى بعد عام 2017من نشره في جريدة المدى توقفت عندها مجددا
مسرحية "ذاكرة الظلام" تثير انطباعًا عميقًا من خلال دمجها المعقد بين الظل والضوء، حيث تتجلى التجربة البصرية كحوار دائم بين النور والعتمة. أسلوب "كين أوسولا" في تصميم الكوريغرافيا يعكس توترًا مثيرًا بين هذين العنصرين، مما يعزز الإحساس بالجدلية والتباين في الأداء. هذا التباين يعزز من تفاعل المشاهدين مع الأداء ويخلق تجربة عاطفية غنية. تتناول المسرحية قضية السلام الداخلي والتناقضات الإنسانية من خلال التلاعب بالأضواء والظلال. استخدام "كين أوسولا" للتكوينات الحركية في فراغات الضوء يُظهر مدى التأثير الذي يمكن أن تحدثه العناصر المسرحية البسيطة في التعبير عن معاني عميقة ومعقدة. المسرحية تتجاوز حدود الترفيه لتطرح تساؤلات فلسفية حول طبيعة الإنسان والعلاقة بين الخير والشر، النور والظلام، الوعي واللاوعي.
تقدم "ذاكرة الظلام" تجربة مفعمة بالتأمل والتفكر. استخدام الأضواء والظلال يعكس الصراع الداخلي للأفراد، حيث يتم استكشاف الأعماق النفسية والوجودية لكل شخصية. التناقض بين النور والظل يُظهر كيف أن الحالة النفسية يمكن أن تتأرجح بين الهدوء والقلق، القوة والضعف، مما يتيح للمشاهدين فرصة لمواجهة صراعاتهم الداخلية بشكل غير مباشر.
مسرحية "ذاكرة الظلام" تُبرز براعة "كين أوسولا" في استخدام العناصر المسرحية لإنشاء تجارب بصرية مبتكرة. الكوريغرافيا تعكس فهمًا عميقًا للأداء الحركي وكيفية تأثير الحركة على التجربة البصرية والموسيقية. تكوينات الرقصات المعقدة وتفاعلها مع الإضاءة تجسد التباين بين الضوء والظل بشكل متقن، مما يعزز من تأثير الرسالة الفنية التي تحملها المسرحية.
يبرز الجمال في "ذاكرة الظلام" من خلال التوازن بين التناغم والتباين. الإضاءة المتقنة والحركات الراقصة تجمع بين الأناقة والدرامية، مما يخلق تجربة بصرية جذابة. الجمال هنا لا يقتصر فقط على المظهر الخارجي ولكن يتناول أيضًا التعبير عن العمق الداخلي والوجودي، مما يجعل العمل الفني ليس فقط ممتعًا للعين ولكن أيضًا محرضًا للتفكير.
يُعتبر الأداء في "ذاكرة الظلام" وسيلة قوية للتواصل مع المشاهدين. التعبيرات الجسدية والرقصية تعكس مشاعر عميقة ومعقدة، مما يسمح للمشاهدين بالتواصل مع التجربة الشخصية لكل شخصية على خشبة المسرح. تساهم الحركات الدقيقة والمتناسقة في إيصال الرسائل العاطفية بوضوح وفعالية، مما يعزز من تجربة التفاعل مع المسرحية.
تُظهر "ذاكرة الظلام" مستوى عالٍ من التنسيق بين الحركة والإضاءة. الحركات الراقصة تنسجم بشكل مثير مع التغييرات في الإضاءة، مما يعزز من التأثير البصري والرمزي للأداء. التلاعب بالأضواء والظلال يُبرز جوانب مختلفة من الحركة، مما يجعل التجربة أكثر تعقيدًا وغنى من حيث الإحساس البصري والحركي. إن مسرحية "ذاكرة الظلام" تُعد تجربة غنية ومتعددة الأبعاد تعكس براعة "كين أوسولا" في دمج العناصر البصرية والحركية للتعبير عن معاني عميقة ومؤثرة.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol