قدرة أذهلت العالم

ضحى عبدالرؤوف المل

فيلم (Zombies Have Fallen) للمخرج سام فونتاين (Sam Fountayne) يروي قصة اختفاء فتاة بعمر الثلاث سنوات، وهي "كايرا" التي تحتاج إلى رعاية نفسية خاصة بعد أن تم اختطافها وهي طفلة صغيرة من والديها بظروف غامضة. تمتلك كايرا مواهب روحية عالية، ولا ندري ماهية هذه المواهب التي تجعلها تقاتل عند الإحساس بالغضب، كما أنها قادرة على تحريك الألعاب الصغيرة دون لمسها. يحاول الكاتب من خلال كايرا اكتشاف الموت والهلاك كما يقول في الفيلم، والتنبؤات القائمة على الأحاسيس والهواجس، والاعتقادات بنهاية العالم. ولكن دون أن يسبغ على النص السينمائي الفهم والإدراك في الحبكة التي فقدت التماسك والتكامل، لتصبح هشة بعد الدقائق الأولى من الفيلم. يمثل اختراع الأحداث في تكنولوجيا الطب الهدف المخفي وراء أهداف مركز رايفن للرعاية الصحية، والتوجه نحو الامتياز الذي منحه للعقل الإجرامي المتخفي وراء مصحة عقلية دون أن يبرز مزايا كايرا التي تم التعامل معها بقسوة وغموض، لتكبر وتنتقل إلى الوعي الفجائي من خلال العميل الذي أوكلت إليه مهمة حمايتها، وهو الرجل المخابراتي الذي يعمل لمصلحة رجل آخر يسعى إلى محو الجريمة ضد الإنسانية. فهل العقل الهش هو الأخطر في العالم؟

يعتمد تصوير الفيلم على الغموض، وإبراز المخفي بأسلوب يثير التفكير بالاحتمالات التي قد تنتج من المواقف الهشة في النص. يلعب التصوير دوره المهم في جذب المشاهد الذي فقد قيمة الحدث في الفيلم الذي يؤكد على أهمية الرؤية التي تمتلكها كايرا، والتي يصعب وصف رؤاها السريالية في مشاهد مركبة بعيدة كل البعد عن الأنشطة الإجرامية التي يثابر المخرج على منحها صفة القصة المتماسكة. عبر مشاهد الرعب في ملاحقة كايرا التي زرع لها الطبيب ذاكرة تأخذها إلى حيث يريد في حال هربت من المصحة العقلية التي لم نتعرف عليها، وبقيت ضمن العديد من التساؤلات التي لا أجوبة لها، بل وتفتقد المنطق في تحليل الحدث والقصة برمتها، حيث يؤكد على مكيدة صاحب المصح العقلي لإخفاء كل أنشطته الإجرامية عبر المصح العقلي نفسه الذي يغذي عالم الجريمة أو المشفى النفسي القائم على التجارب البشرية. لكنها مكيدة للمشاهد أيضًا ليجد أن النص السينمائي يفتقد للمنطق وللمرونة وللقصة الديناميكية القادرة على إبراز عالم الجريمة ضد الإنسانية، بما يجعله يحاكي عالم الواقع دون سريالية أو خرافة لم تكتمل، بل بقيت غير مشدودة الأجزاء حتى عبر التمثيل الذي افتقدت إيحاءاته كايرا لما يحمله دورها من نقصان في الحوار أو فقدان الحوار لقيمة الحدث. تاركًا المخرج للصورة قوة المحاكاة حيث اعتمد التصوير على الغموض والعتمة، والقطع السريع لينتقل من مشهد إلى مشهد تبعًا للحركة المتداخلة مع بعضها البعض دون استكمال للصورة. لتبقى مثيرة محاولًا من خلال ذلك اكتشاف عبثية القصة وهشاشتها التي لم تؤدِّ دورها في فيلم زومبي أو سقوط الأموات أو سقوط كايرا في نهاية مفتوحة الاحتمالات، ربما! تؤسس لفيلم آخر، ونتمنى أن يكون بمواصفات سينمائية شديدة الإبهار والدهشة التي كان من المفترض حدوثها في هذا الفيلم الضعيف سينمائيًا.

لا يحمل الفيلم السينمائي "زومبي" أي قيمة جمالية أو فكرية أو سينمائية عالية الجودة، برغم أن جودة التصوير اقترنت بجودة الموسيقى التصويرية التي حاولت الخروج من مستنقع القصة في المشاهد التي جاءت مركبة، وبعيدة كل البعد عن الأحداث السريالية غير المدروسة في إظهارها بعد هروب كايرا من المصح العقلي، وكأن الفيلم مشوش بصريًا، وقد انحرف عن الهدف السينمائي المؤدي إلى تطلعات حضارية في إعادة النظرة المؤدية إلى نهاية العالم. حيث الوجود الإنساني المحمل بقدرات خارقة لم يطورها المؤلف والمخرج، بل! اعتمد على الفكرة دون التوسع بها، بمنطق جاد وحرفي. ليبقى هذا الفيلم يتصف بالتجاري البحت، جاعلًا من كايرا البطل الأسطوري الذي يمكن أن يكون ضمن برامج الألعاب الثلاثية الأبعاد. فهل الهشاشة السينمائية أصابت فيلم "زومبي" بتراخي جعله يفتقد للمعايير السينمائية الحقيقية التي اعتدنا عليها في الأفلام الأمريكية؟ أم أن الاهتمام بالمعايير التجارية تركته في هشاشة لا يمكن إصلاحها في جزء ثاني من هذا الفيلم السينمائي المحمل بعالم الجريمة المصطنعة والمفبركة وفق انطباعات فنية، والممنوع من إصلاحها إلا في استبدال كايرا برجل المصح الشرير برجل الخير الذي يقاوم جرائم ضد الإنسانية؟

بعد مرور أكثر من سنتين على نشر هذا المقال في جريدة المدى، أعدت قراءة الكتاب وكتبت عنه برؤية جديدة.

فيلم "Zombies Have Fallen" يقدم تجربة سينمائية تتنوع فيها الآراء والتقييمات. إذ يترك الفيلم انطباعًا متباينًا بين الجمهور والنقاد؛ فهو يبرز كعمل سينمائي يطمح إلى تقديم شيء مبتكر في عالم أفلام الزومبي، لكنه يواجه تحديات كبيرة على صعيد التنفيذ.

يعاني الفيلم من ضعف في البناء الدرامي والحبكة، حيث تفتقر القصة إلى التماسك والتكامل، مما يجعلها تبدو هشة وغير قادرة على جذب الانتباه بشكل كامل. رغم فكرة الفيلم الجريئة المتمثلة في استكشاف قدرات كايرا الروحية ومحاولة كشف الموت والهلاك، إلا أن التنفيذ لم يرتقِ إلى مستوى الفكرة الطموحة.

يعكس الفيلم محاولة استكشاف عمق الشخصية الرئيسية كايرا من خلال مواهبها الروحية وقدرتها على تحريك الأشياء دون لمسها. لكن الفيلم يعجز عن تقديم تحليل نفسي متقن للشخصية، حيث يتم التعامل مع كايرا بشكل سطحي بعض الشيء. هذا النقص في التعمق النفسي يجعل المشاهدين يواجهون صعوبة في الارتباط العاطفي بالشخصية وفهم دوافعها بشكل واضح.

يعتمد الفيلم على أسلوب غامض في التصوير واستخدام الإضاءة والعتمة، مما يساهم في خلق جو من التوتر والغموض. لكن هذه الأساليب، رغم كونها جيدة في نظرية التصميم، تأتي على حساب وضوح القصة وتفاصيلها. يعتمد الفيلم بشكل كبير على القطع السريع والتصوير الذي لا يكمل الصورة بشكل كافٍ، مما يؤدي إلى شعور بالتشويش البصري وعدم التماسك.

يمكن اعتبار الفيلم متميزًا من حيث جودة التصوير والموسيقى التصويرية التي تعزز من تجربة المشاهدة. لكن هذا الجانب الجمالي لا يترافق مع قوة درامية أو جمالية متماسكة. الجماليات البصرية لا تعوض عن ضعف القصة وتفاصيل الحبكة، مما يجعل النتيجة النهائية أقل إقناعًا.

يظهر الفيلم محاولة لإيصال رسائل عميقة حول القدرات البشرية المفرطة والتهديدات المحتملة للعالم، لكن التعبير عن هذه الأفكار يأتي بشكل غير مكتمل. الشخصيات وتطورها لا تتناسب مع العمق الذي يحاول الفيلم تقديمه، مما يضعف تأثير الرسائل التي يسعى الفيلم لنقلها.

يعاني الفيلم من ضعف في بناء الحبكة وتطور الشخصيات. الحبكة تفتقر إلى الصلابة والتماسك، مما يجعل القصة تبدو غير منسجمة في بعض الأحيان. الدراما في الفيلم لا تتطور بشكل ملحوظ، مما يؤدي إلى فقدان الاهتمام بالقصة ومشاهدها.بالرغم من أن المخرج سام فونتاين حاول تقديم رؤية متميزة من خلال أسلوب تصويري غامض، إلا أن هذا الأسلوب لم يكن كافيًا لتعويض ضعف الحبكة وتفاصيل القصة. التوجيه الإخراجي لم يكن قادرًا على إبراز مزايا الشخصيات بشكل كافٍ، مما أثر على تفاعل الجمهور مع الفيلم.

فيلم "Zombies Have Fallen" يطمح إلى تقديم تجربة سينمائية مثيرة في عالم الزومبي، لكن يواجه صعوبات كبيرة على صعيد البناء الدرامي والتنفيذ الفني. رغم بعض الجوانب الجمالية والفنية الجيدة، إلا أن الافتقار للتماسك في الحبكة والتحليل النفسي الضعيف يجعل من الصعب تحقيق النجاح الكامل للفيلم. يبقى الفيلم تجريبيًّا إلى حد كبير، مع احتمال أن يكون له جاذبية معينة لعشاق أفلام الزومبي لكن دون أن يحقق الإبهار المطلوب على صعيد السينما العالمية.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol