أم هـــاشـــم وحـقــل الـشـــوفـــان

ضحى عبدالرؤوف المل

بين قنديل أم هاشم المبارك للأديب يحيى حقي، والحارس في حقل الشوفان، للروائي الأميركي سالنجر تاه عقلي في خيوط فنية حاولتُ توظيفها في فك مفاهيم عربية ومفاهيم غربية، لكن تاه منظور الحقيقة في تناقض جعلني أشعر بتأرجح مخيف أصابني بالهذيان، فالنتيجة إشكاليات في الأسس التفكيرية بين الغرب والشرق، فهل من اندماج فكري يحقق ثقافة سلام تستطيع إعادة بناء هيكل دراسي يخفف من ثقل مناهج تعليمية لا تصيب العالم إلا بالدمار الثقافي، ونحن نحلم بالانطلاق نحو فضاءات ذهنية ثقافية، لعل بنّاء يفتح الكون على مصراعيه، لنعيد تشكيل الإنسان بكامل حقوقه الحياتية والجمالية.

يرى بلاكمر أن بداية ونهاية النقد هو العمل الأدبي نفسه، وأنا لا أنتقد، إنما أظهر أهمية كل عمل في زمانين ومكانين مختلفين، فالثقافة تتأثر بالمحيط الاجتماعي الذي نحيا فيه، إلا أننا الآن في مكان مفتوح على كل الأزمنة، فالعمل الفني يثبت وجوده، أو ينفيه تبعاً للفكر الثقافي العلمي والأدبي، ففي بلادنا العربية تراث اجتماعي متشابه، متأثر بصراع حضارات سابقة، ومنها عثمانية وبربرية ذات تقاليد ممتدة، فالحركة الانفصالية في الاستقلال سببت الضعف البنيوي لثقافات اجتماعية عربية عاشت أوهام التقدم الغربي، لأنها عاشت في عزلة لغوية، وترجمات لم تأخذ نصيبها الكامل في ظل التقدم الاقتصادي الأميركي، وثورة العلم التي انبهر بها الكثيرون ممن عاشوا خارج أوطانهم العربية، ليعيشوا صدمة السخافات والتخلف الحضاري، والإيمان بمعتقدات لا ترتبط بالدين، فهي غير موجودة في الكتب المقدسة، ليأتي سالنجر وينفي هذا الإعجاب بنفث الغضب عن غبار الزيف، ويزيدنا إعجاباً من نوع آخر، فتتخيل نفسك في حقل زراعي ريفي مليء بالشوفان في أبعاد عنوان يظلله الزمان والمكان، ويتجرد من أي قيود لغوية أو فنية، ليبرز واقعية عمل روائي صادق وعفوي بلسان مراهق، فالحارس هو المنقذ لحقل تنمو فيه نباتات يُصنع منها الخبز الأسود، وهو أراد إنقاذ الأطفال من زيف مجتمع عاش فيه، في لمحة إلى الأسس التربوية، ونظرة تُشير إلى أهمية رعاية الأطفال في كل زمان ومكان، من خلال أغنية سمعها" لو أن أحداً يمسك وهو يخترق حقل الجودار" ليقول لأخته: "وما علي عمله هو أن أمسك بأي طفل يبدأ بالسقوط في الجرف، هكذا أمسك بهم، وأنقذهم من السقوط ، هذا كل ما علي أن أفعله طوال النهار "فالهدف الأساسي من العنوان هو الإنقاذ من السقوط بشكل عام."

أما في قنديل أم هاشم فتتخيل نفسك في تلك العتمة المفروضة، ممسكاً بقنديل قديم وصبي، إذا جلس للمذاكرة خف صوت الأب، ومشت الأم على أصابعها، وابنة عمه تترك الثرثرة، لتصمت أمامه، وتتساءل: كيف تحوي الكتب كل هذه الأسرار؟ في قناعة ذاتية سطحية تتعايش مع الحكاية فقط، فالمراهقة عند إسماعيل بدأت تفور، لتفض براءته العذرية ماري زميلته في الدراسة، بينما يفشل هولدن في ممارسة الجنس مع واحدة من بنات الهوى، فكيف تكون أبعاد الوصف والتوضيح غامضة، وأنت تبحر في كل هذا بين الغرب والشرق، وكل منهما معجب بحضارة الآخر؟

المقدمة تجعلك تفكر بكيفية تفكير الناس في كل وزمان، لتمتلئ العيون من زيت قنديل أم هاشم وإسماعيل في بلاد الغرب في ظاهرة لا يستطيع تفسيرها ولا سيما بعد أن أفاق إسماعيل من حبه لماري، فيتساءل: "أم أن ماري هي التي نبهت غافلاً في قلبه، فاستيقظ وانتعش؟ فيتلمس شعوره المبهم بمصر، ويقرر العودة، وكأننا نقف في وسط حقل الشوفان كخيل تائهة تبحث عن الذات لنمسك يد سالنجر، ونحن نمتلئ بأسلوب فني بارع في التصوير والحركة والمشهد بغرابة، بينما يختفي ضوء قنديل أم هاشم في بسمة يرسمها طبيب في قرية ما زالت تؤمن بالخرافة، فيتعايش معها بعد أن فشل في التخلص منها.

يقول يحيى حقي: "التحدث عن النفس يا له من لذة ساحرة، تواضعها زائف." ومفتاح رواية سالنجر هو الزيف، فإذا أردنا إجراء مقارنة فالموضوع هو هندسة منطقية اجتماعية تحاول الوصول إلى عناصر صحيحة من خلال عمل فني ذهني يجعلك تكسب رؤية بنيوية جديدة في عصر الشبكة العنكبوتية التي لم يعشها سالنجر أو يحيى حقي، فاستخراج النتائج من العمل الأدبي يحتاج إلى انفتاح عقلي وثقافي، وتحرر من المفاهيم التجريدية للتنقل إلى الفهم قبل التفسير، يقول سالنجر :"كما لا أنوي رواية سيرتي الذاتية اللعينة سوف أروي فقط الأحداث الجنونية التي مرت بي." ليردد حقي: "إنهما ينبعان من نزعة واحدة متكتمة: "استجداء تبرير الوجود وأنت معذور حين تقرأ هذه السيرة" لنصبح أكثر تحفزاً لمعرفة المزيد عن الزيف في المجتمعات من خلال سالنجر وحقي.

ترجمة استطاع غالب هلسا أن يبرز فيها الوعي اللغوي في فهم أسلوب مفردات اعتمدها الراوي لرواية الحارس في حقل الشوفان، أو المنقذ في حقل الجودر كما يقول البعض، فالبناء الفني تميز بالخيال الحركي الذي أعطى للصورة ذاتية خاصة، وتعبيرية في خلق حوارات روح حرة تتحرر من الغموض في تلميحات ذكية عن مدرس من المثليين، وفقد عذرية في فشل جنسي مع واحدة من بنات الهوى، وأحداث ذات تأثير عاطفي في امتداد مكاني يصاحب الشخصية، فلا يفارقها بل يتنقل معها من مكان إلى مكان، فيرصد الواقع الاجتماعي في تعبير فكري، لنقترب من اللاشعور لمراهق رسب في أغلب المواد يخاف من صدمة طرده على الأهل، فيقرر الهرب، لترافقه العدسة الضوئية في أيام قليلة فقط في كل المشاهد الرئيسة والثانوية، وعند حقي تصوير مجتمعي سطحي في رمزية شخصية إسماعيل، لتنتقل العدسة الضوئية إلى كل ركن في الرواية، وتنفصل عن الشخصية الرئيسة في انتقال فرعي لتصور الحي الشعبي وسكانه في إظهار أعراف اجتماعية واهنة سعى إلى تصويرها في اختيار رؤيوي زماني خاص به، ولم يترك للعقل الواعي الاستنتاج بل فرض عليه مفهومه الخاص مثلاً :"يا عزيزي إسماعيل، الحياة ليست برنامجاً ثابتاً بل مجادلة متجددة" من يستطيع أن ينكر حضارة أوروبا وتقدمها، وذل الشرق وجهله ومرضه." فهل حذف حقي كلمة حضارة من الشرق وهو ابن الحضارة الشرقية، وجعل الحضارة لأميركا فقط؟ في حين أن سالنجر تماسك ذاتيا، وبقي محافظاً على الوقوف خلف المراهق، لتكون بؤرة الاهتمام ملاحقته خطوة خطوة في عمق نفسي واجتماعي، وترك القارئ يستنتج، ليدخل الواقع الأميركي المصاب بالهشاشة التربوية والسلوكية في مغامرة أميركي غاضب وهو في حالة رفض يقينية، فتصبح روايته مرجعاً تربوياً للمدارس في أميركا لفهم سلوك المراهق، وفي الوقت نفسه أظهر إعجابا بالحضارة العربية في مصر، وقيمة الحب الروحي والجسدي ليرفع من معنويات المراهق، ليبحث في علم التاريخ، ويقرأ عن الحضارة الشرقية، وروح الحب فيها، ليمسك يد أخته الصغيرة التي تريد الرحيل معه، وهنا يقف الروائي خلف ذهول المراهق، فهو لم يرض لأخته فعل أشياء لا أخلاقية كما فعل هو ليعود إلى البيت، بينما عاد إسماعيل ليرضى بتقاليد اجتماعية زائفة لم يستطع رفضها، فتصبح رواية حقي مرجعا لرفاهة قراء وقعوا في فخ الزمن، لتعيد ذكريات فنية مارسها حقي، وبقيت في ذاكرة الزمن العربي فقط، فالمصري الغاضب من خرافات دينية انغمس بها، ليكتشف قدرة الشفاء بالإيمان، وليرضى بالخرافة مبرراً كل ما حدث بجملة واحدة "إنها لم تكن تؤمن بي".

انعكاس اجتماعي على عقل يحيى حقي الباطني في اندماجه مع الخرافة، ليتعايش معها بعد أن فشل في التخلص منها، ربما أراد التوازن بين الرؤية والتعبير واللغة، بينما اختلف السرد التصويري في أدق التفاصيل الصادقة عند سالنجر بلغة محكية نابعة من أحياء نيويورك الثائرة شبابياً على كل ما هو قديم ومزيف، بدءا من مدرسة بنسي التي تضع إعلانا مزيفا لجذب الطلاب إليها "الإعلان عبارة عن فتى شديد الحيوية يركب حصانا يقفز حاجزا، كان كل ما نفعله في تلك المدرسة هو لعب البولو كل الوقت "والبولو لعبة الأغنياء فقط، ليظهر الكذب والزيف التربوي" حتى أنني لم أشاهد ولو لمرة واحدة حصانا بالقرب من ذلك المكان" لنتجه نحو خطاب سطحي عند يحيى، ومضمون لم يتعمق به ما يكفي، فاستجابة القارئ اختلفت منطقيا بين سالنجر وحقي، بين عرب وغرب، بين الموضوعية والذاتية، الوصف والتحليل، الحسي والتجريدي، بين أسلوب منطقي منفتح على عقل القارئ، وأسلوب متسلط يفرض أحكامه على أبطاله وعلى القارئ، فهل نمسك قنديل أم هاشم، لندخل إلى حقل الشوفان كالخيول الثائرة، وننتظر الحارس، ليمسك بنا قبل أن نقع، ونسمع حكاية جديدة عن قنديل آخر؟.

Doha El Mol