إيقاع الحياة بين رجل وامرأة وشيطنات طفلة
ضحى عبدالرؤوف المل
شيطنات الطفلة الخبيثة للروائي ماريو باراغاس يوسا التي حملت كل الخلاصة الجينية للرواية، وكأنه في مختبر يبحث في علم الوراثة عن عينة يصنع منها خلقا واقعيا إنسانيا، الموسيقى تخلق فضاءات للأصوات التي نسمعها، فيترجمها الانفعال السمعي في حركات راقصة، لنشعر أننا في كرنفال حقيقي عاشه ماريو، ليكون وفياً لفن روائي أراد له البقاء، مؤرخا حقبة سياسية مهمة، وكأن البيروقراطية نموذجية كونية في عرض اجتماعي جعله ينمو ويتطور فنيا في تدوين تاريخي، لكن جعل العين الساردة على الطفلة، فلم نشعر بثقل المعلومات التاريخية التي أراد لها البقاء، وكأننا سننطلق نحو هوليود مع سارد زائر وبيروية ذات طموح هوليودي، كأنها أميركا التي تتنوع مع كل سياسة مغايرة في العالم.
الحرية لا تحتاج إلى قيود، وأميركا حرة رغم الفساد الذي يعشش فيها، فهي طموح الجميع للوصول إليها، لكنها مليئة بالشيطنات الدرامية والمأساوية في حكايات متعددة، فالنزوات مباحة، والأحلام مقيدة، والحقيقة حب متين، والأهواء تتقلب، والحياة جنة وجحيم، وكأنها في ممارسات خبيثة لإرضاء هوس نفسي يشبه تعاقب الحكومات في العالم، فهل ينقصنا الطموح في العالم العربي، لنصبح مجتمعا هوليوديا كي نعيش فيه بأمان؟.
تشكيل زمني يساعد على كشف أحداث سياسية مهمة تعلقت بشاب بيروي يفتقد الطموح كما تقول عنه الطفلة، بينما هو شاب وطني بامتياز، فالمرأة وطن، والتمسك بها يشبه التمسك بالوطن، ولو امتلأ بالفساد الذي يستدعي علاجه بكل قوة، فالرسائل مع خاله كانت الرابط الأساسي مع الوطن الذي يحبه كثيرا.
ليلى التشيلية، الرفيقة آرليت، مدام روبير آرنو، مسز ريتشاردسون، كوريكو، أوتيلا السابحة في الفضاء التاريخي، والأحداث الثورية في رموز أحلام هوليدية بين وجوه بارزة مثل فيدل كاسترو وتشي غيفارا، فهي دائما تسعى خلف المادة والنزوات حتى الهلاك، لتستحوذ على تفكير أميركا نفسها، وكأنها أوتيلا، لكن الروائي وطني قومي بيروي مع أحلام ثورية لا تخلو من جرأة وإثارة، أقدمت عليها ليلى في انتمائها لحركة المير، فالغاية تبرر الوسيلة، لتمارس مع ريكاردو شيطناتها، وتتركه في باريس مصدوما، ليحيا في عالم الترجمة، ومن ثم يلتقي مجددا بها، ويقتنع بما هي عليه ويرضى"سأقتنع بأن أكون كلبك، مثلما أنت كلبة الوغد" ليصدم مجددا بأنه تستعمله كآلة مثيرة لفوكودا، فيشعر بالاشمئزاز، ويهجرها بقوة.
فعل وحركة وتحليل استبطاني، ولغة أدبية جعلت من الطفلة الوطن الذي نتعرض فيه لشتى العذابات أحياناً، ومع ذلك نحبه، ونحافظ عليه في فلسفة قومية تنقلت بين باريس، طوكيو، لندن، كوبا، وسارد متنقل كما تتنقل الطفلة من رجل لرجل، وكما تنتقل النفس من ثورة لهدوء وموت، فهل تموت الأوطان أم أنها تجعلنا نحيا في أمان واستقرار حين تعشش حبا بنا؟.
مسار تاريخي كلاسيكي راديكالي، وتلاعب في الأحداث جعلني أنصت بهدوء لكلماته التي تصف عبثية المرأة وشقاوتها، في وصف لم يشعرني بالملل أو الضجر رغم الأحداث التاريخية التي كانت تشبه خلفية زمنية تمر خلف الطفلة التي رافقته من أحياء البيرو الفقيرة إلى فرنسا، وهو يغوص في أعماق النقاء والخبث، وكأن المجتمعات السياسية في كل مكان لا تخلو من فساد، فالحياة قائمة على التضاد، خير وشر، نقاء وتلوث، معقول ولا معقول، فضيلة ورذيلة، وتصارع رغبات إيروتيكية تمثل البشر في كل حالاتهم من الوفاء حتى الخيانة، فهو الطفل الطيب، وهي الطفلة الخبيثة، فهل يحاول هنا أن يجعل الخبث من المرأة دائما كما فعلت الفتاة التي تصغره أعواما؟.
يقول ماريوس فارغاس يوسا: "وظيفة الأدب تذكير البشرية بأنه مهما بدت لهم الأرض التي يعيشون عليها صلبة، ومهما بدت لهم المدينة التي يعيشون عليها عامرة فإن هناك شياطين مختبئة في كل مكان يمكنها أن تسبب في طوفان في أية لحظة".
نسيج روائي ذو تفاعل سردي بناء ودلالةً، فالرواية لم تعيق القارئ في فهم الشخصيات ولا سيما الطفل الصامت حين جعلته يتكلم، في حين هو عجز عن البوح بداية، وهاجمها بحقيقة مشاعره وقرفه من لحظات عاشها معها، وهي الشخصية الديناميكية القادرة على التغيير في كل فصل من فصولها، وكأنه في دار تصاميم أزياء، كل ثوب ترتديه الطفلة له لون أسلوبي، ومضمون خاص متحرك يبهرنا به، واستبطان داخلي أظهره في اسمها الأخير أوتيلا حين عرف حقيقة انتمائها العائلي، فتصوراتنا عن الطفلة تلازمت مع كلمة خبيثة، والخبث لا يمكن إصلاحه حتى بمرض السرطان الخبيث الذي أصابها، وحملها نحو الموت في إشارة إلى أن الخبث في العالم لا نهاية له إلا بالموت.
Doha El Mol