معركة مستمرة مع العالم الخارجي
فيلم (The Boy) للمخرج وليام برينت بيل
ضحى عبدالرؤوف المل
إن تجاهل القواعد التي ينص عليها الاتفاق الوارد في بيانات العمل يعني أننا لا نستحق البقاء في أمر اخترناه، ووافقنا عليه في إسقاطات تدعو للانتباه. القواعد خاصة ببرامز، الطفل الذي تعرض للحريق واختفى، لتظهر الدمية الخزفية كبديل عنه. إلا أنه استطاع البقاء حيًا بين جدران القصر، وأن يوهم جده وجدته بأن الدمية تمتلك روح برامز. وربما يدركان أنه حي، ولكن على غريتا أن تكون معه كبديل عنهما، ويقررا الانتحار بملء جيوبهما بالحجارة والموت غرقًا في النهر بعد ترك وصية مختومة بالشمع الأحمر، إلا أنها لم تقرأ. ولكن الأحداث النفسية التي تظلل الفيلم توحي بالكثير من المقدسات التي يتم اختراقها في العالم، وهي شبيهة بحكاية برامز وخرق القواعد والأنظمة الإلهية من البشر بتوازي إيحائي. ليكون القدر هو وليد الصدف التي تنشأ برعاية غيبية لا ندري كنهها. والكاتب بهذا اعتمد على المعتقدات الأخلاقية للبشر في تنفيذ الاتفاقيات بينهم باحترام، ودون أي تساؤلات أو استخفاف بالاتفاقيات التي يتم الموافقة عليها، لأن في ذلك الحفاظ على معايير البقاء.
صراع الخير والشر يبدأ من النفس التي تختزل سلوكياتها بتصرفات يحفها الغيب الذي نصنع ما يوازيه دون الإحساس بالمسؤولية الملقاة على عاتقنا، لنستسلم لهوى النفس، وننسى القاعدة الأخلاقية، وهي الالتزام بالقواعد التي أبرمناها وتعاهدنا على تنفيذها تبعًا للأصول التي تنم عن القدرة على الطاعة، وبهذا تنشأ سيرورة الحياة. يقول هوبز: "الظلم هو خرق القواعد العامة"، وبهذا يكون الظالم رديفًا متوازنًا مع العدالة الناتجة عن تصرفاتنا. فالفيلم من نوع الإثارة والرعب النفسي، إلا أنه يحمل في طياته الكثير من الرؤى الهادئة، والتي تهيئ المشاهد للدخول في الموازين الحياتية المرتبطة بنا لا شعوريًا، لأن بيت "آل هيلشير" هو العالم الصغير الذي نعيش فيه، ونحن في معركة مستمرة مع العالم الخارجي.
تناغمت الموسيقى مع المؤثرات السمعية والبصرية، إلا أنها اكتفت ببعض المشاهد الموسيقية، فكانت بشكل جزئي بين المقاطع التي منحها المخرج إضافة سمعية. لتكون في الفيلم مشبعة ببعض المشاهد فقط، ربما! هذا ترك أثرًا سلبيًا في الفيلم من ناحية تعطش المشاهد حسّيًا، وربما ترك أثرًا إيجابيًا في بث المزيد من الخوف النفسي الناتج عن المؤثرات البصرية والسمعية. إلا أن موسيقى (Bear McCreary) نجحت في خلق الأحاسيس المميزة في فيلم ذي حوار هادئ، ومختزل وقصير، لأنه اعتمد على الصورة وقوة محاكاتها للمشاهد، لتترجم الإيحاءات التي أرادها الكاتب ستيسي مانيير لتكون كنص بصري مماثل لما هو مكتوب ضمن متخيّل ينتج عنه قراءة للمفهوم العام للفيلم وهو نتائج خرق القواعد والأنظمة التي نوافق عليها دون الإلمام بتفاصيلها كاملة. فهل فلسفة الرعب النفسي هي من الحياة وقوانينها التي تخترق كل يوم وينتج عنها صراعات الخير والشر؟
نجح المخرج وليام برينت بيل في اختيار النص الذي تواءم مع تطلعاته، لتبرز فنون الإخراج السينمائية قوية بموازاة النص عبر تقسيم لم تفقد عناصر المفاجأة فيه لذتها. إذ استطاع إدخال الشخصيات بترابط يجدد من تساؤلات المشاهد عن شخصية الدمية التي كاد يصدق أن الروح تسكنها، منتظراً كشف الأسرار التي ظهرت فجأة عندما تكسرت الدمية على يد كول الذي هربت منه غريتا، لتكون في بيت لم تتقيد فيه بالأنظمة والقوانين التي وافقت عليها قبل دخولها إليه، وبذلك تكون قد خلقت نوعًا من عدم مراعاة التزاماتها التي أدت إلى كل التغييرات التي حدثت. فقط استطاع المخرج والمؤلف إبراز الخلفيات الدرامية بالكوابيس والخروج منها بحقائق نبعت من حدث غريتا التي خرجت للتو من أزمة فقدان طفلها على إثر تعرضها للعنف والخوف والرعب أيضًا، إلا أنها قررت المواجهة في اللحظة الأخيرة.
برؤية أخرى
فيلم (The Boy) يعزز الإحساس بالقلق والتوتر من البداية حتى النهاية. يُشعر المشاهد بالقلق المستمر بسبب استخدام تقنيات السينما التي تركز على خلق أجواء مشحونة وغامضة. تساهم الدمية الخزفية كعنصر رئيسي في تعزيز الشعور بالرهبة والغرابة، مما يجعل المشاهد يتساءل عن حقيقة ما يحدث حوله ويتركه في حالة من التشويق المستمر.
القصة تقدم معضلة أخلاقية معقدة تتعلق بالقواعد والالتزامات الشخصية. يتناول الفيلم موضوعات مثل خرق الاتفاقيات والتداعيات النفسية والأخلاقية المترتبة على ذلك. تركز الحبكة على الصراع الداخلي للشخصيات ومعتقداتهم التي تؤثر على أفعالهم. من خلال قصة برامز والدمية، يُستكشف تأثير التزام القواعد على مصير الأفراد وكيف يمكن أن يؤدي خرقها إلى عواقب وخيمة.
الدراما في الفيلم ترتكز على الصراع الداخلي والتوتر النفسي. ينجح الفيلم في بناء شخصيات معقدة تواجه تحديات عاطفية ووجودية. شخصية غريتا، على سبيل المثال، تعاني من صراع داخلي عميق يتعلق بفقدان طفلها والالتزامات التي تتخذها. البناء الدرامي يتصاعد تدريجيًّا، مع توتر يتزايد حتى يصل إلى ذروته في اللحظات الأخيرة. يعتمد الفيلم على كشف الأسرار ببطء، مما يساهم في الحفاظ على التشويق والاهتمام.
من الناحية الفنية، يُظهر الفيلم براعة في استخدام تقنيات الإخراج لتقديم تجربة سينمائية مؤثرة. تُستخدم الكاميرا بشكل استراتيجي لالتقاط تفاصيل دقيقة وتعزيز الأجواء المشحونة. التصوير الفوتوغرافي يخلق تباينًا بين الظل والنور، مما يعزز الإحساس بالخوف وعدم الاستقرار. المونتاج يساهم في بناء التوتر من خلال التلاعب بالزمن وتسلسل الأحداث بطرق تثير القلق وتدفع الأحداث نحو ذروتها.
الجماليات البصرية في الفيلم تُعزز الإحساس بالغموض والرعب. التصميم الفني للمشاهد الداخلية يعكس الطابع المظلم والمعزول للقصر، مما يتماشى مع موضوعات الفيلم. الألوان الداكنة والتباين القوي بين الأضواء والظلال تُستخدم لخلق أجواء مشحونة تساهم في تجربة المشاهد البصرية. الموسيقى، رغم أنها غير مهيمنة، تُستخدم بشكل مدروس لتدعيم اللحظات الدرامية وإضافة عمق عاطفي.
التعبير في الفيلم يُنقل بفعالية من خلال أداء الممثلين والإخراج. تعبيرات الوجه وحركات الشخصيات تساهم في نقل الصراعات الداخلية والتوترات النفسية. المشاهد التي تُركز على ردود فعل الشخصيات تجاه الأحداث، وخاصة غريتا، تُستخدم بشكل مؤثر لنقل القلق والخوف. تعبيرات الشخصيات، بالتوازي مع استخدام الكاميرا والمؤثرات البصرية، تعزز من التفاعل العاطفي للمشاهد مع الأحداث.
من منظور إخراجي، يبرع وليام برينت بيل في خلق أجواء مشحونة عبر تقنيات التصوير والإضاءة. يُستخدم الإخراج لخلق تباين بين لحظات الهدوء والتوتر، مما يعزز تجربة الرعب النفسي. يسهم الإخراج في بناء الإيقاع البصري الذي يعكس التوتر الدرامي، من خلال التحكم في سرعة اللقطات وزوايا الكاميرا.
يقدم ستيسي مانيير نصًا معقدًا يركز على استكشاف موضوعات عميقة مثل الأخلاق والالتزام. النص يعزز من التوتر الدرامي من خلال تقديم شخصيات تواجه صراعات داخلية ومعتقدات أخلاقية تؤثر على أفعالهم. البناء الدرامي المحكم وكشف الأسرار تدريجيًّا يساعد في الحفاظ على التشويق والإثارة.
، يجمع فيلم (The Boy) بين الجوانب الإخراجية والكتابية بشكل متكامل ليقدم تجربة سينمائية غنية من الناحية الانطباعية والدرامية والفنية والجمالية. يجمع بين عناصر الرعب النفسي والإثارة من خلال تقنيات سردية وبصرية متميزة، مما يعزز من تجربة المشاهد ويضيف عمقًا للتجربة السينمائية العامة.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol