من لا يحفظ التاريخ لا يستطيع العبور عبر الزمن

. الفيلم الروائي الطويل (Robinrot) للمخرج (Felix Fuchssteiner)

ضحى عبدالرؤوف المل

يبحث كاتب فيلم "روبنروت" (Robinrot) عن أخطاء الماضي لتصحيح ما أمكن في حاضر ما زال يحمل تاريخه، رؤية الأمجاد العابقة بالتراث والجمال، وكأنه التاريخ الحلم أو الأسطورة التي تبنى على مغلوطات الحدث التاريخي، وإن جملناه في كتب التاريخ، ومنحناه الياقوتية التراثية التي توحي بالمثالية الزمنية العليا أو بالأخطاء المتراكمة التي تم تصحيحها في حاضر ما زال تاريخه يعاني ويحتاج لنهضة كبرى. فالحياة دراما مليئة بالهواجس والأحلام؛ ما لم نستيقظ منها ونرى بؤرة الضوء، سنكون بمثابة الوهم وأعراضه تهيؤات لا شفاء منها. فهل يحاول الفيلم إلقاء الضوء على إيمانيات تاريخية ما زالت راسخة في أذهان الناس من خلال كتب التنجيم والسحر، والتاريخ المرتبط بالأمكنة الأثرية وفنتازياتها؟

من لا يحفظ التاريخ لا يستطيع العبور عبر الزمن، هذا ما تشدد عليه الكاتبة كاتارينا (Stsenria) باقتباس عن رواية "روبي" للمؤلف "كيرستين جير". فالإيمان مقابل المعرفة الحقيقية في الحساب والرياضيات والتاريخ، وحتى الآداب من عصر محاكم التفتيش وصولًا إلى عصر الركوكو، وما اشتهر به "في كل وقت لدينا للتعامل مع الأدب من القرن التاسع عشر" وحتى روسيني، والتعامل مع الأزياء المناسبة لكل سفر تقوم به "غويندولين" ونبوءة العمة مادي التي تحرك العقل وتستفز الذهن، لطرح عدة تساؤلات يجيب القدر عليها بفنتازيا لا يمكن تخيلها. إذ تكمن قوة الرؤية في زخم المخيلة التي تعتمد على إعادة تركيب الماضي من خلال السفر عبر الزمن، لتتضح الأفكار وتتهذب الرؤية وتكتشف الحقائق التي من شأنها تحقيق المعرفة الحقيقية للإنسان عن تاريخه الخاص.

ماريا إريك (Maria Ehrich) والأداء التمثيلي الذي انسجم مع القصة أو الرواية التي تعتمد على تقمص الشخصية الواحدة في عدة أزمان. وهذا اعتمد بالدرجة الأولى على الملابس والديكورات، إضافة إلى المجهود التمثيلي الذي بذله أبطال الفيلم الروائي والتنقلات بين العديد من الأماكن الأثرية التي تعود إلى عصور سابقة بكل جمالياتها وعاداتها وتقاليدها، مع إظهار الحداثة الزمنية من خلال الاتصالات التي من شأنها إظهار الفروقات بشكل كبير بين العصور الوسطى والعصر المعولم، بينما الإنسان هو الإنسان بسرياليته وقدراته التخيلية وتفكيك شفرات الزمن للحفاظ على الوجود الجيني لطبقات أرستقراطية هي بحد ذاتها قوة للتاريخ الذي ينتقده المؤلف بسبب الأخطاء التي تتم فيه. ونراها في المستقبل وننتقدها بشدة، ولكن ما من سبيل لتصحيحها. فهل الفيلم الروائي أدب سينمائي له جماليته المرئية التي تساعد على حفظ التاريخ؟

ثلاثة عصور مختلفة، ودراسة معمقة في الأزياء والموسيقى والصورة، مع الحفاظ على ديناميكية تنقلات زمنية لعب بها المخرج بفن إخراجي أسطوري انسجم مع القصة والإضافات الحيوية في المشهد أو الصورة التي تحتوي على أركان العصر من تغيرات في الشوارع والأماكن، واللباس وحتى مرض الطاعون وزمن انتشاره. ليكون الفيلم بتطابق مع رواية "روبي" وقدرتها على الجذب المرئي مع الحفاظ على قيمة التغيرات بين الفيلم الروائي والرواية نفسها، بما يتناسب مع المشاهد التصويرية والانتقال من الجد إلى الابنة. فالحفيدة التي تناضل من أجل استعادة ذاكرة الماضي الغامضة لها، والفيلم جاذب لهواة التاريخ والأدب والأسطورة المرتبطة بنبؤات سريالية كدائرة الدم وسحر الغراب الأسود.

لعبت الموسيقى دورًا مهمًا في ترجمة المشاعر الدرامية، وحتى الراقصة والمفرحة منها. فالموسيقى الحدث المرافقة للصراعات ولمعارك السيوف أو الإحساس بالخوف وما رافقها من ومضة الانتقال عبر الزمن والصوت الموحي بالعبور مع الحفاظ على درجات الصوت التي تتناسب مع كل مرحلة مشهدية قدمها المؤلف الموسيقي "فيليب كولميل" (F. Kölmel) باستحضاره لنغمة العصور الوسطى وما يقابلها في العصر الحديث.

فيلم موجه لفئة الشباب الناشئين، إلا أنه يجذب الفئات الأخرى، لكونه ذات معرفة تاريخية محاطة بالأدب والفن. ربما مدة بعض المشاهد كان يمكن اختزالها، كما أن الحوارات بمدتها الطويلة كان يمكن التخفيف منها لتحاكي الصورة بقوة مخيلة غنية افتقدها الفيلم المبني على فنتازيا السحر والخيال المشاهد عبر الحركة والإثارة والتخييل البناء، ولكن هذا لم يفقد بقية العناصر قيمتها الفنية. ولكن كان يمكن معالجة ضعف الخيال في الفيلم بزيادة التأثيرات التصويرية المحاكية للقصة، لتكون الصورة أقوى من الحوارات التي كانت طويلة في بعضها، لأن التصوير لعب دوره المهم مع الموسيقى، فكان يمكن التخفيف من السرد التمثيلي المطابق للعمل الروائي من خلال ذلك.

برؤية أخرى فيلم "روبنروت" يترك انطباعًا قويًّا من البداية، إذ يجذب المشاهد إلى عالم مفعم بالسحر والغموض عبر رحلة زمنية متقنة. يعزز المخرج هذا الانطباع من خلال استخدام تقنيات إخراجية تنقل المشاهد بين العصور وتبني جسرًا بين التاريخ والخيال. تتضح جودة العمل في تفاصيل الديكور والملابس، مما يعزز الإحساس بعمق الأزمنة المختلفة التي يسافر خلالها الأبطال.

يستند فيلم "روبنروت" إلى أساس قوي من الرواية التاريخية والفنتازيا. يسعى الفيلم إلى معالجة موضوعات مثل البحث عن الحقيقة التاريخية والتفاعل بين الماضي والحاضر. ينقلك الفيلم من زمن إلى آخر، مما يتيح للمشاهد استكشاف تطور الشخصيات والأحداث عبر العصور. يظهر العمل الموضوعي بوضوح في كيفية تعامله مع التناقضات بين الأساطير والحقائق التاريخية، ويعكس في الوقت نفسه صراعًا داخليًا حول الهوية والتاريخ.

من الناحية الدرامية، يعتمد الفيلم على قوة السرد وشخصياته العميقة. الرحلة الزمنية التي تقوم بها الشخصية الرئيسية تتيح استكشاف صراعات داخلية وخارجية. تساهم الحبكة الدرامية في تعزيز التوتر والإثارة، مما يجعل المشاهد يشعر بالترقب والإثارة لمعرفة كيفية تعامل الأبطال مع التحديات الزمنية. الأداء التمثيلي الرائع، خاصة من قبل ماريا إريك، يعزز الصدقية ويضفي عمقًا على تطور الشخصيات.

يتميز فيلم "روبنروت" بإخراج فني رائع، حيث يستخدم المخرج Felix Fuchssteiner تقنيات تصويرية متقدمة لخلق تجربة بصرية غنية. المونتاج، والألوان، والتأثيرات الخاصة، جميعها تسهم في إبراز جماليات العصور المختلفة وتساهم في تسلسل الأحداث بسلاسة. التباين بين العصور الوسطى والعصر المعولم يُظهر الفرق بوضوح عبر تفاصيل الملابس، الديكورات، والإضاءة.

يُعَد الفيلم تجربة بصرية مثيرة، حيث تساهم الموسيقى في التعبير عن المشاعر الدرامية وتكمل المشهد بصوتيات تتناسب مع كل مرحلة زمنية. تصميم الأزياء والديكورات يُظهر دقة في التفاصيل ويعكس جماليات كل عصر بشكل واقعي وجذاب. تسهم كل هذه العناصر في خلق تجربة فنية متكاملة تعزز من التجربة البصرية والجمالية للمشاهد.

يبرز Felix Fuchssteiner كفنان ينجح في دمج الجوانب الدرامية والفنية بشكل متكامل. يتميز الإخراج بقدرته على تحريك الزمن بين العصور بسلاسة، مما يعكس عمق القصة وتعقيداتها. الرواية الأصلية، التي يعتمد عليها الفيلم، تُبرز جماليات الأسطورة والتاريخ بشكل جذاب. الكتابة تُظهر اهتمامًا بالغًا بالتفاصيل التاريخية والفنية، مما يعزز من تصديق القصة ويجعلها تجربة مشوقة وغنية. فيلم "روبنروت" هو تجربة بصرية وفنية متكاملة، تجمع بين الإبداع والإتقان الفني، وتنجح في تقديم قصة تاريخية وفنتازية جذابة. يُظهر الفيلم بوضوح كيف يمكن للخيال أن يلتقي بالتاريخ ليخلق عملاً دراميًّا وجماليًّا غنيًّا.

dohamol67@gmail.com

Doha El Mol