الموجة الخامسة
فيلم "The 5th Wave" للمخرج جا بلاكيسون (J Blakeson)
ضحى عبدالرؤوف المل
الموجة الأولى هي فقدان كل تقنية الحياة وبث الخوف في النفوس مع الإدراك أن فقدان الاطمئنان يسبب الهلع، فالحدث بدأ مع الآخرين الذين اقتحموا الأرض دون معرفة أي شيء عنهم. إلا أن التغيرات بدأت بالتسلسل مع الحدث الفجائي الذي ظهر مع الزلازل والبراكين وانقطاع معالم الحياة. إذ انتهت كل مدينة وكل جزيرة بفعل الفيضانات والأعاصير المجهولة الأسباب، فهل معارك العصر الحديث هي التحكم بالطبيعة والبشر وقيادة العقول عبر إدمان فك الشفرة والألعاب القتالية التي تعتمد على التحكم بالآخرين؟
أصوات الطيور وأصوات الماء والوسائل الطبيعية التي انسجمت مع الرواي في فيلم ذي مفاهيم تثير الجدل مرسلة من الآخرين وفق رمزية توحي بالمجهول الذي نلصق به كل خطأ إنساني. لأننا لا ندرك ماذا يريدون أو ماذا يحتاجون! ربما الأرض. إلا أن الغموض يلف الفيلم في البداية، ليتابع المشاهد الفيلم بإثارة ذهنية تزداد تساؤلاتها كلما زاد الحدث تشويقًا آخر. فالحياة والموت في صراع مستمر مع الإنسان الباحث عن الاطمئنان والحياة الهادئة، ولكن هل يمكن ذلك في ظل الصراعات والتخلص من الضعفاء؟ فالموجات عبارة عن تصفيات للبشر عبر بعضهم البعض وبث الخوف في صفوفهم، أي تخلص البشر من بشريتهم وتجريدهم من الإنسانية التي تبقيهم على قيد الحياة وهم في تكاثر مستمر. فما الذي يقودنا إلى الانتصار؟
ربما نحتاج للإنسانية عندما نشعر بقوة فقدانها، وربما نحن من نقاتل بعضنا البعض بمحفزات الآخرين الذين يبنون من الأوهام الأهداف التي من شأنها خلق دفاعات ذاتية تهدف إلى تخفيض أعداد البشرية. وما بين الإنقاذ والتجنيد ثغرة لا بد من اكتشافها. فهل استطاع الكاتب والمخرج خلق رؤية امتدت تخيليًا إلى ما هو أبعد من الفكرة التي تتطابق مع الكثير من الأحداث في العالم؟
"جنسنا يؤمن أن الحب مجرد حيلة غريزية طريقة لحماية مستقبلكم الجيني" جملة تختصر الكثير من مفاهيم البقاء، لأن الأجناس البشرية تمحو بعضها البعض بالحروب والاقتتال والتسبب بالدمار والتشرد، ومقاومة كل ذلك هي بالأجيال الزمنية أو المستقبلية القادرة على مقاومة مفاهيم النزاع والحروب بالحب والقدرة على منح الإنسانية هوية الوجود. و"الآخرون" في الفيلم يجهزون الأطفال كي يقتلوا بقية البشر لأنهم يحتاجون لتفريغ مساحة من الأرض لوجودهم المحفوف بالغموض، فمن هم الآخرون في فيلم الموجة الخامسة؟
إخراج هادئ لم يواكب عظمة القصة والفكرة المحبوكة بمفاهيم إنسانية تميل إلى الواقع برمزية الحدث الرئيسي وهم (الآخرون) بموجات لكل واحدة مرحلة تمهد للأخرى، لنكتشف أن الموجات مراحل حياتية مخطط لها للبدء بمرحلة مفتوحة في نهاية الفيلم. ربما سنعرفها في فيلم آخر ومراحل أخرى تعالج أهمية الشباب والأطفال في بناء المستقبل الذي نطمح له. فالكاتب استطاع بناء الفكرة بمتانة تخيلية تربط الواقع الحالي للكثير من الأحداث بالحاضر والمستقبل، حيث يتم التجنيد على أسس مغلوطة. فهل نحن في زمن فقدنا مصداقيته الدفاعية؟
السيناريو وثلاثية الكتاب سوزانا جرانت، أكيفا جولدسمان، وجيف بينكنر عن رواية "ريك ينسي" (Rick Yancey’s)، وكتابة شكلت إثارة مزدوجة للعقل والوجدان. إلا أن الحبكات المشهدية تقهقرت مع القصة وسلاسة عمقها الفكري وقوة التخيلات المبنية على الغموض. فعناصر النجاح اجتمعت في الفيلم نوعًا ما لكن لم تكتمل بتناغم طاقم العمل بأكمله مع الإنتاج الذي بدا ضعيفًا. أما الصورة، فلم تحقق تحفيزًا بصريًا مضافًا، والإخراج لم يستطع تحقيق عنصر الدهشة أو التقنية الحديثة لزيادة عناصر الإقناع والتأثر والتأثير. والموسيقى لعبت دورها سمعيًا من حيث تناغمها مع المؤثرات الأخرى إضافة إلى التمثيل والأداء الجميل والمتناغم مع الشباب والوجوه التي وضعتنا أمام المستقبل وجهًا لوجه. فالممثلة "كلوي غرايس موريتز" نجحت في إظهار انفعالاتها الإنسانية ومنح الحب حقيقة لا يتمتع بها من يسمى بالآخرين مع "نيك روبنسون" وقوة الأحاسيس التي اختزنتها تعابير الوجه المؤثرة طيلة الفيلم دون أن ننسى "أليكس رو" وبرودة الدور التمثيلي الذي اتخذ وجوهًا متعددة للآخرين المجهولين للمشاهد نسبيًا. لينتهي المشهد الأخير مفتوحًا على نهاية تسلط الضوء على أهمية الأمل في الحياة. فهل الأمل بالسلام فقط هو ما يسمح لنا برغبة البقاء؟ وهل من سلام ممكن في ظل رغبة الآخرين بالإبقاء على الحروب وقتل الناس بعضهم البعض؟
برؤية أخرى إن المستوى الدرامي في فيلم "The 5th Wave" يندرج ضمن فئة أفلام الخيال العلمي الدرامية التي تستكشف تأثيرات الغزو الفضائي على البشرية. يعرض الفيلم رحلة بطلة شابة تُدعى كاسي (التي تؤدي دورها كلوي غرايس موريتز)، وهي في مواجهة مع كائنات فضائية تسعى لتدمير البشرية عبر سلسلة من الموجات المدمرة. يتناول الفيلم صراع الإنسان مع الكائنات الغريبة من جهة، ومع صراعاته الداخلية من جهة أخرى، مما يضفي عمقًا دراميًّا على الحبكة.
تقنيات الإخراج في الفيلم، بقيادة جا بلاكيسون، تظهر بوضوح في تقديم مشاهد مثيرة ومرتفعة الإيقاع. يجمع الإخراج بين عناصر الفانتازيا والدراما بفعالية، لكنه يواجه تحديات في بناء جسر بين التوترات الدرامية والتطورات البصرية. التوتر بين الإنسان والفضائيين يتم تسليطه من خلال تسلسل الأحداث الذي يُبقي المشاهدين على أطراف مقاعدهم، ولكن الإخراج يفتقر أحيانًا إلى التناغم المطلوب بين الإيقاع الدرامي والتأثيرات البصرية.
الجمالية في "The 5th Wave" تظهر من خلال تصميم المشاهد والمؤثرات البصرية، رغم أنها ليست دائمًا مبتكرة. أما التصوير السينمائي، فقد نجح في خلق أجواء مشوقة ودرامية، لكن بعض المشاهد تفتقر إلى الحيوية المرئية التي كانت لتضيف إلى تجربة المشاهدة. استخدام الألوان والظلال يعكس حالة القلق والغموض، ولكن كان يمكن تعميق التجربة الجمالية من خلال تقنيات تصوير أكثر ابتكارًا.
الأداء التمثيلي، بقيادة كلوي غرايس موريتز، كان قويًّا ومعبرًا، حيث نجحت في تجسيد شخصية كاسي بطريقة مقنعة تنقل مشاعر الخوف والإصرار. من جهة أخرى، كانت الشخصيات الثانوية مثل نيك روبنسون وأليكس رو، قد قدموا أداءً مقبولاً ولكن لم يكن بنفس درجة التأثير التي قدمتها موريتز. الحوار كان له دور في تعميق فهم الشخصيات، لكنه أحيانًا بدا مكررًا وبسيطًا.
السيناريو، الذي كتبته سوزانا جرانت وأكيبا جولدسمان وجيف بينكنر استنادًا إلى رواية ريك ينسي، يفتقر أحيانًا إلى العمق والتطور المنطقي للأحداث. الحبكة تقدم عناصر مشوقة لكنها تتعثر في بعض النقاط بسبب التكرار وسوء إدارة عناصر التوتر. القصة تقدم أفكارًا جديدة حول الخوف والصراع الإنساني، ولكنها بحاجة إلى مزيد من التعمق لتفادي النمطية والتسلسل الميكانيكي للأحداث.
"الموجة الخامسة" هو فيلم يحمل في طياته إمكانيات كبيرة ويقدم تجربة مثيرة ولكن ليس خالية من العيوب. إخراج الفيلم وكتابة السيناريو يعكسان التحديات في تحويل فكرة الخيال العلمي إلى تجربة سينمائية متكاملة. بينما يقدم الفيلم بعض اللحظات المدهشة والأداء الممتاز، فإنه يفتقر إلى بعض العناصر الجمالية والدرامية التي كانت لتجعله أكثر تميزًا. بوجه عام، هو تجربة سينمائية مقبولة للمشاهدين الذين يستمتعون بالخيال العلمي مع بعض الرغبة في المزيد من العمق والتجديد.
تم نشر مقالي هذا في جريدة المدى العراق في الشهر الثالت من عام 2016
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol