سؤال يطرح سؤالاً آخر:

"فجر العدالة" (Dawn of Justice) فيلم Batman v Superman للمخرج زاك سنايدر (Zack Snyder).

ضحى عبدالرؤوف المل

الجهل ليس مثل الخطيئة، والعمل الإجرامي ليس مثل عمل العصابات المنظمة أو تلك القادرة على تخطي المحظورات أخلاقيًا وسلوكيًا، الخ. إن الاعتماد على فرد في الدفاع عن الكل هو جهل بإمكانية الدفاع عن النفس ومحاولة لإدراك ماهية الحدث المركب ونتائجه المجهولة، مما يحول الرجال الطيبين إلى قساة. لتكون النتيجة ثورة عارمة على كل ما يثير الخوف والهلع في النفوس، فإن تخلخلت موازين القوى في الكون، يصبح كل شيء يبيح المحظورات والقوانين لا تنفذ. إذ اعتمد مؤلف "فجر العدالة" على خلق صراع بين الأزرق والأسود لرمزية اللونين وارتباطهما برجلي الوطواط وسوبرمان، فوكالة الأمن القومي والارتباط العملي بأمن الكوكب، وفرضية أشباه البشر الذين يعيشون على الأرض كسوبرمان والوطواط، هي بحاجة لتوضيح الرؤية بعد أحداث عديدة تسبب بها من يحاول إعادة الموتى لإثارة نعرات الحقد المدفونة معهم وتفجيرها من جديد في الكون، بسريالية نفسية تقضي بوجود حيوات في العوالم نجهلها وأشباه البشر الذين يعيشون معنا دون معرفتهم أو بالأحرى حفظة الكون للتخفيف من نسبة الشر فيه.

"نهاية علاقة الحب مع الرجل في السماء"، أي سوبرمان الرجل الطائر والمخلص الناس من الشرور، كعلامة استفهام تثير المشاهد المنتظر للحدث الغامض. فالوصول إلى حطام سفينة كريبتون ربما هو للقضاء على أشباه البشر أو للإيمان بنظرية المؤامرة وإبطالها، لتكون بذلك جزءاً من إعادة شعبيته التي يحاول البغض القضاء عليها. فهل من رمز لكل محب للبشرية؟ وهل شخصية سوبرمان والرجل الوطواط هي رمزيات لعوالم في كواكب أخرى لا تنتمي لكوكب الأرض ويحاول المؤلف تصحيح ثوابتها؟

فلسفة حياة وانتقام في مواجهة أفكار الشر والخير. وحينما تأتي الشخصية المنقذة إلى الأرض نريد أن تتقيد بقواعدنا نحن، لأننا نرى الآخر على صورتنا نحن، ولا نحاول التطلع إلى تنمية القدرات أو حتى فك أي تشفير غامض لجينات ما زلنا لا نفهم عملية خلقها بالكامل والسر الإلهي المرتبط بالإنسان. فدائمًا ما كنا نخلق الرموز على صورتنا نحن. لهذا يحاول المؤلف في الفيلم القضاء على سوبرمان الأسطورة في أذهان من تابع مسار كل من الشخصيتين على انفراد، الوطواط وسوبرمان، وكانت ماركة الوطواط للعدالة قد باتت حصرياً لرمزية معينة، وسوبرمان، الحدث وتطوراته ضمن الفعل والكتابة. كلارك الصحفي هو سوبرمان وما بين الحدث والخبر مقالات توضيحية لكل ما يقوم به سوبرمان. لهذا حاولوا محاكمة سوبرمان بعد جهل لما قام به من أدوار في إنقاذ شخصيات كثيرة، وهذه مشكلة الشر في العالم ومشكلة الفضيلة دون أي تشفير تحتاجه الشخصيات القوية في العالم لتحقيق ذلك.

موسيقى تصويرية نجحت في بث الإحساس بجمالية الحدث، وإن لم يستطع التصوير فتح العدسة الليلية لتوضيح المشهد المركب أو المأخوذ أحياناً من مشاهد أخرى. إلا أن نهاية الفيلم أو المشاهد الأخيرة التي ازدادت فيها تقنية التصوير أظهرت نوعاً من التناغم بين المؤلف والمخرج أو بالأحرى السيناريو والنص والصورة، ولكن لم تصل إلى ما هو مقبول سينمائيًا، حتى المؤثرات البصرية لم تتوازن، بل زادت من سلبيات الأخطاء التصويرية أو المونتاج بنسبة عالية. لكن القصة والحوار منحا الفيلم تحفيزاً ذهنياً لاكتشاف المغزى من صراع شخصياته الأسطورية: سوبرمان والوطواط، أو بالأحرى ابن كريبتون يواجه وطواطًا، وحقد يواجه الذكريات المدفونة في شخصية تريد الانتقام لنفسها بأنانية. فالإنسان صنع عالمه حيث التجاسر معاً فيه يكون أمراً مستحيلاً. فهل دائماً بعد أي معركة نعيد البناء ونحلم بالأفضل، أم أننا نبني مدننا على أنقاض الآخرين؟ وهل الأزرق والأسود هما للإنقاذ وتحقيق العدالة؟

فيلم "فجر العدالة" (Dawn of Justice)، من إخراج زاك سنايدر، يعبر عن محاولة معقدة لدمج عالمين أسطوريين – سوبرمان وباتمان – في سياق درامي يتناول الصراع بين الخير والشر على مستويات متعددة. يحمل الفيلم طابعًا مظلمًا وجادًا، متناولًا الرموز والتحديات النفسية والفلسفية التي تواجه الأبطال الخارقين، وهذا ما يعكسه بشكل جلي في عناصره المختلفة.

برؤية أخرى الفيلم يعالج موضوعات عميقة مثل الصراع بين الأبطال وقيم العدالة، ويعكس التوتر بين قوتين متناقضتين في العالم: القوة المطلقة لممثل الأمل (سوبرمان) والعدالة التي يسعى لتحقيقها (باتمان). تتجلى معضلات هذا الصراع في محاولة فهم دور الأبطال في عالم مليء بالتناقضات والأخطاء، مما يسلط الضوء على تساؤلات حول معنى العدالة، حدود القوى الأخلاقية، والضرر الناتج عن الصراعات المستمرة. إذ يقدم الفيلم بنية سردية معقدة تتضمن عناصر من الدراما النفسية والإثارة. يعكس الصراع الداخلي للأبطال بشكل عميق، حيث يعاني كل من باتمان وسوبرمان من صراعات شخصية وأخلاقية تعكس تباين وجهات نظرهم تجاه العدالة. يتيح البناء الدرامي للفيلم أن ينغمس في استكشاف تداعيات أفعال الشخصيات وتأثيراتها على العالم من حولهم.

يتميز الفيلم بأسلوب بصري ظلامي يعكس الأجواء المليئة بالتوتر والتحديات. استخدام الألوان الداكنة والظلال يساهم في تعزيز الأجواء الدرامية والدرامية المهيبة، بينما يدمج المؤثرات البصرية الكبيرة في معارك ملحمية. ورغم أن بعض عناصر التصوير والمونتاج كانت موضع انتقاد لعدم توازنها، إلا أن التقدير الفني يتجلى في المحاولة لتقديم مشاهد قوية ومعبرة من الناحية البصرية.

يقدم الفيلم مزيجاً من الحركة المكثفة والمشاهد المؤثرة التي تهدف إلى إثارة ردود فعل عاطفية من المشاهدين. الموسيقى التصويرية تلعب دوراً مهماً في تعزيز الأجواء الدرامية، رغم أن بعض المشاهد قد تكون محمّلة بشكل زائد أحياناً. الجمالية تتجسد في تصميم المشاهد والمعارك التي تعكس الصراع الداخلي للأبطال، وتقدم لحظات درامية مؤثرة.

يعتمد سنايدر على أسلوبه المميز في تقديم الأحداث بتقنيات تصوير قوية وسرد بصري مذهل. يسعى الإخراج إلى دمج عناصر الخيال والواقع بشكل مميز، مما يخلق تجربة سينمائية مثيرة. ومع ذلك، كانت بعض الأجزاء قد تكون مشوشة أو مفرطة في تعقيدها، مما أثر على وضوح الرسائل التي كان من المفترض أن ينقلها الفيلم.

يستفيد الفيلم من العالم الخيالي للأبطال الخارقين لتقديم رواية تجمع بين الأسطورة والواقع. الخيال هنا ليس مجرد عنصر إضافي بل هو جزء أساسي من بناء القصة، مما يسمح للتفاعل مع موضوعات فنية عميقة مثل الصراع الداخلي، العدالة، والتضحية. يستند السيناريو إلى تراث الشخصيات الأسطورية ولكن يقدمه من خلال منظور عصري يعكس التحديات والمفاهيم المعقدة للعالم المعاصر.

"فجر العدالة" هو محاولة طموحة لدمج عوالم أسطورية في إطار درامي معقد، يحمل في طياته رموزًا وتحديات تعكس الصراع بين الخير والشر. من خلال الجوانب الفنية والجمالية، يقدم الفيلم تجربة سينمائية متناقضة تحتوي على لحظات قوية ولكنها تعاني من بعض الاضطرابات في التنسيق والإخراج. ومع ذلك، يبقى الفيلم محاولة جادة للتعامل مع موضوعات عميقة من خلال عدسة خيالية ودرامية تثير التفكير وتسعى إلى استكشاف حدود العدالة والشخصية الإنسانية.

dohamol67@gmail.com