ثلاثية المراحل الجدلية في فيلم "بتوقيت القاهرة" (Cairo Time)
ضحى عبدالروف المل
اتخذ المؤلف والمخرج "أمير رمسيس" في فيلم "بتوقيت القاهرة" (Cairo Time) من المواقف الاجتماعية الرافضة لعدة انتهاكات إنسانية فيلمًا سينمائيًا يحاكي به جيلين دون أن يغير من الأمر الواقع شيئًا. إنما لتتخذ مساراته التأليفية والإخراجية ثلاثية لمراحل جدلية: أولاً، الزهايمر الذي نحتاجه في الحياة لإكمال المسيرة المحفوفة بالصعوبات والذكريات، بتحديات تؤمن بالوصول إلى مبتغاها، واختلاف كل منا في القبول أو الرفض للواقع الذي يفرض نفسه في رسم المسير الذي يتخذه الشباب بعد تربية نقشت مفاهيمها الجيل القديم نفسه الذي ينتقد الزمن، ويحاول إعادة تشكيله إما بالهروب عبر الزهايمر أو خلق مبررات اجتماعية تقوم على رفض التمثيل والحكم على الأشخاص بالأمر الظاهر. ثانيًا، المخدرات التي تفتك بالشباب وأساليب عيشهم، ومحاولتهم الخروج من حالة الفقر باتخاذ خط الممنوعات. ثالثًا، بر الوالدين المبطن عبر صفعة ابن لأبيه، وهذا إسلاميًا يخالف الدين أكثر من تناول الكحول، وإهمال شؤون الأب المريض، غير المدرك للوعي. بينما تحافظ الأم على أن تكون المثل الأعلى أمام ابنتها. فتوازن المواضيع أو الجدليات تركت العديد من التساؤلات عن نمو الحدث والتفاوت النسبي بين التأليف والإخراج. إذ فتح الذهن أمام الواقع دون حلول لتكون من الواقع وإلى الواقع بلغة سينمائية خفيفة كوميدية بمواقفها الاجتماعية المضحكة، كقصة الإفتاء غير المدروس والتشريع البعيد عن المنطق، وبأسلوب تشويقي نجح به المؤلف "أمير رمسيس" بنسبة جيدة، فهل استطاع إخراجيًا التفرد في هذا الفن؟
موسيقى "خالد حماد" ومفردة نغمية تآلفت سمعيًا مع المشهد بنعومة أغرقت المشاهد بالهدوء والرومانسية، مع التوقف التأملي في الحدث الصغير أو الثانوي الناتج عن ردات فعل لها رديفها الموسيقي المثير لدهشة الحس الفني، بروحية منحت الفيلم حسًا جمالياً مضافًا لمشاهد أمسكها "أمير رمسيس" إخراجيًا بتطلعات واقعية لها من التعبير التمثيلي للراحل "نور الشريف" ما يرفع من قيمة الفيلم تمثيليًا بمقارنة بين القديم والجديد في استرجاع للذاكرة السينمائية مع الفنان "سمير صبري" الذي حافظ على روح الكوميديا بضحكة ساخرة انتقادية موجوعة جدًا، وما بين الدمع والضحكة برز الحزن في عيون الفنانة "ميرفت أمين" عبر مواجهة لممثل من الماضي لعبت معه عدة أدوار، والزمن ترك كل منهما يفتش عن مؤنس لعمر لم يبق منه إلا القليل. فهل جنّد المخرج "أمير رمسيس" النص لخدمة الفنان الذي يتم نسيانه وانتقاده من المجتمع عوضًا عن تقديره وتكريمه وتقديم الأعمال الفنية التي تليق به بشكل دوري؟
لا يمكن وصف الأدوار القديرة للممثلين "ميرفت أمين" و"سمير صبري" و"الراحل نور الشريف" إلا بالإبداع، وهذا ربما يؤرق الممثل من الجيل الجديد ويضعه في امتحان مباشر مع القدرة التمثيلية التي يختزنها كل من الفنان "سمير صبري"، والفنانة "ميرفت أمين"، والفنان الراحل "نور الشريف". إلا أن هذا لا يشفع للفنانة "درة" أنها أمسكت انفعالاتها ولم تحررها على الوجه الأفضل بشكل فعال، بل تركتها في جمود تعبيري ذي تساؤل فني يجعلنا في حيرة عن مدى اختزانها لفهم العمل والقناعة به. ولا أدري لماذا هذا الانفصال الجزئي عن الشخصية، بينما لعب الفنان "شريف رمزي" بتلقائية وتجسيد تمثيلي أتقن إظهاره بجمالية لها بصمتها مع فنان قدير مثل "نور الشريف"، وبتناغم انصهر معه "شريف رمزي" ببراعة تميزها في الفيلم، وأيضًا "كندة علوش" عبر طلتها الصغيرة التي لم يمنحها المخرج إلا القليل لتكون كضيفة شرف، أبدعت في دقائقها التمثيلية.
جدليات ذات خيوط تتصل كل منها بفكرة لها منحى استنكاري عالجها المؤلف "أمير رمسيس" حواريًا بسلاسة وبساطة محبوكة بالهدف، لكنها غير محصورة باللقطة الداخلية إخراجيًا بشكل كامل. لأن المخرج "أمير رمسيس" لم يستطع الوقوف بين الممثل والمؤلف لأنه المخرج والمؤلف معًا. إذ يظهر معاناة الممثل المشهور قديمًا، وصراعاته المختلفة بين قبول المجتمع له، ووضعه تحت جراحة الواقع المر للمرأة التي أظهرتها الفنانة "أيتن عامر" بدورها السهل الممتنع من خلال العودة إلى الطفولة، ورمزية الدمية للإشارة إلى مرحلة الطفولة وأهميتها في البناء النفسي، وتصحيح مفاهيم العيب، ونظرة المجتمع للبنت والشاب وفروقات كل منهما حتى في الحب والاندماج وتقرير المصير. ولكن يبقى السؤال الأهم: هل استغل المخرج "أمير رمسيس" جهد الفنانة "درة" كما يجب؟
برؤية أخرى فيلم "بتوقيت القاهرة" (Cairo Time) للمؤلف والمخرج أمير رمسيس يقدم تجربة سينمائية تعكس بعمق التحديات الاجتماعية والنفسية التي تواجه الأجيال المختلفة في المجتمع. يتناول الفيلم ثلاثة محاور جدلية رئيسية: تأثير الزهايمر على الذاكرة والحياة اليومية، تأثير المخدرات على الشباب ومجتمعهم، وأهمية بر الوالدين والعلاقات الأسرية. عبر طرح هذه القضايا، يطرح الفيلم تساؤلات حول التفاعل بين الأجيال والتغيرات التي تطرأ على القيم والمفاهيم الاجتماعية.
يبني الفيلم على أساس قوي من الصراع الداخلي والخارجي. يُظهر الصراع الداخلي من خلال الشخصيات التي تعاني من تأثيرات الزهايمر والمخدرات، كما يعكس الصراع الخارجي من خلال التوترات بين الأجيال والنزاعات الأسرية. تكمن قوة الفيلم في قدرته على التوازن بين عرض قضايا اجتماعية حادة والتعبير عنها بأسلوب إنساني وعاطفي. يتجلى هذا من خلال تطور الشخصيات وتعرضها للتحديات، مما يمنح القصة عمقًا وواقعية.
: من الناحية الفنية والجمالية، يظهر الفيلم اهتمامًا واضحًا بالتفاصيل البصرية والسمعية. توظيف الموسيقى من قِبَل خالد حماد يعزز الأجواء الرومانسية والتأملية في الفيلم، حيث تسهم الألحان في إضفاء الطابع العاطفي على المشاهد. الإضاءة والديكورات تُستخدم لتصوير الأجواء التي تتناسب مع الحالة النفسية للشخصيات وتدعم القصة. الأسلوب البصري يتكامل مع السرد لخلق تجربة سينمائية غامرة.
الإخراج في فيلم "بتوقيت القاهرة" يعكس مهارة أمير رمسيس في إدارة الممثلين وتنظيم المشاهد. يُظهر الإخراج قدرة على التلاعب بالتوقيت الدرامي وإبراز التفاصيل الدقيقة التي تضيف إلى قوة القصة. استخدام الزوايا واللقطات يعزز من تأثير الأحداث والمشاعر، ويعكس فهمًا عميقًا للغة السينما. كما يبرز الإخراج قدرته على تقديم كل مشهد بوضوح وعمق، مما يسهم في تعزيز الرسالة التي يسعى الفيلم إلى إيصالها.
الأداء التمثيلي في الفيلم يتسم بالقوة والتنوع. يُقدّم نور الشريف وسمير صبري وميرفت أمين أداءً يبرز خبرتهم وتفانيهم، حيث يساهمون في نقل مشاعر الشخصيات بصدق وعاطفة. أما درة، على الرغم من بعض الانتقادات حول عدم تمكنها من التعبير بشكل كامل، فإن أدائها يظل جزءًا مهمًا من الفيلم. الأداء التمثيلي لشريف رمزي وكندة علوش يضيف لمسة من التميز والتنوع إلى العمل، مما يعزز من جودته الفنية.
يُعتبر فيلم "بتوقيت القاهرة" عملًا سينمائيًا يستحق الإشادة من حيث تعامله مع قضايا اجتماعية هامة بطرق درامية وفنية مميزة. يعكس الفيلم قدرة أمير رمسيس على تقديم تجربة سينمائية متكاملة تجمع بين الإبداع الفني والموضوعات الإنسانية العميقة، مع تحقيق توازن بين الجمال البصري والعمق الدرامي. تبقى تساؤلات حول مدى استغلال جهد بعض الفنانين جزءًا من النقاش حول العمل، لكنها لا تؤثر بشكل كبير على تقييم الفيلم ككل.
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol