لقد كنت ذات مرة خادما
ضحى عبدالرؤوف المل
حين يترجم سهيل نجم عملاً روائياً فهو يختار بين الموضوعية والذاتية، وهما في تلاحم يعانق توهج أفكار تنطلق من عقل يُترجم مسارات عمل فني، انطلق من لغة عاقلة في بناء واقعي وموروثات اجتماعية مقيّدة في شخصيات رواية "النمر الأبيض" التي كتبها أرافيندا أديغا، أبرزها شخصية الجدة في محاولة لإظهار العادات التقليدية الاجتماعية في الهند، ومن عقائد دينية مختلفة راسما بمهارة أسلوبية مناسك دفن الموتى في صورة فقيرة لا تخلو من جمال الطبيعة، لتترجم واقع الإنسان في الحياة والموت "لا أعتقد أنه كان لديها مثل هذا الرداء الجميل في حياتها، كان موتها مهيبا لدرجة أنني عرفت فجأة أن حياتها كانت تعسة بالتأكيد، كانت عائلتي مذنبة بشيء ما".
استطاع أرافيندا أن يعامل شخوص الرواية كأشخاص حقيقيين، فلكل واحد منهم معاناته المختلفة من علاقات أسرية وتربوية، وعملية وعلمية وحتى بيئية إلخ.. بدءًا بالذات، لينطلق بالراوي العليم مع شخوصه في قصة حياتية دون أن ينسى تقبل الهنود للتكنولوجيا "نحن الهنود نتقبّل التكنولوجيا كما يتقبّل البط الماء" كما أنه قسم الهند إلى قسمين "هند النور، وهند الظلام" ودورة الحياة الكبرى التي رمز لها بنهر الغانغا، مشيرا إلى معالم سياحية ودينية بمهارة فنية عالية، تسحبك نحو الرغبة والانعتاق من الكبت والظلم والعقائد الدينية المتنوعة، وقد سخر منها واصفا إياها بالوهم" هناك نماذج ممن نقدم لهم الطاعة في معابدنا أوهمنا بها" كما تحدث عن التلوث البيئي بلغة فنية" ملأ الدخان الهواء، خيوط زرقاء من العادم تتوهج أمام ضوء السيارات، وازدادت كثافة الدخان حتى عاد غير قابل لأن يرتفع أو يتلاشى، بل راح ينتشر أفقيا، بطيئا ولامعا، ليكون نوعا من الضباب حولنا " إذا أشعل سواقو العربات سجائرهم، فأضافوا تلوث التبغ إلى تلوث البترول"
انطلق نصف مخبوز، وكأن العالم يعيد تشكيل الإنسان، ليجعله متماسكاً كالجرة الفخارية المخبوزة تحت درجة حرارة قوية، وهو من عائلة فقيرة تعيش على ما تجمعه ببساطة لم تمكنه إكمال تعليمه المدرسي، ليكمل تعليمه في خبرة حياتية مؤلمة، هو نمر أبيض في قريته ومكسر للفحم " تخيّل أن كل قطعة فحم تمثل جمجمتي، سيكون من السهل عليك تكسيرها".
ثم أصبح فأر مدينة ينام مع الصراصير، ويغسل الكلاب، ويفرك ساقي سيده، ويمسك بالمبصقة، ويختفي بعد جريمته كنمر أبيض في قفص كبير، حتى أنه حين رآه أغمي عليه..
إنه توظيف ناطق متعدد في تمثيل الحياة وبؤسها بمختلف مرافقها الحياتية، كالانكسار الضوئي الذي بدأ به روايته، وهو يراقب ضوء الثريا من تحت المروحة، وهي ترسم على الجدران دورة الحياة الدائرية في تكسرات نفسية يمربها الإنسان في الحياة كما يمر الضوء في تكسرات عديدة، لنرى جماله في وحدة متكاملة حين نجيد الرؤية، فتجربة الكاتب هنا مبنية على خيال خلاق فني قادر على بناء مشاهد مؤثرة في ذات المتلقي، وكأنه في إخراج فني معتمدا على الصورة الذهنية التي تقوم على وصف واقع معيش نقله في إضافات جمالية جوهرية زادتنا انفعالات أمام أحداث الرواية، لنتعاطف مع البطل بأسلوب فني واع وسرد في حبكة استطاعت أن تمسك بنا، لنتابع بشغف ربط الأحداث وتتابعها والتعاطف القوي مع كل الشخصيات، فالمشاهد المؤثرة أدمت قلوبنا في متابعة ديناميكية، وكأننا أمام نمر استثنائي فعلا، فركضه يثير شغفنا في متابعة طموحه، لنصرخ معه بملء الفم ضد الظلم والجور واللاعدالة التي يعانيها الإنسان في الهند ولا سيما من الاستبداد والفروقات الطبقية والزيف في فوضى اجتماعية وسياسية، منتهيا به الحال إلى رجل أعمال يعاني من ذكريات تؤلمه، لا تخلو من صور القتل الذي ارتكبه، وهو فأر المدينة المتخفي في أوكارها من جريمة، أراد أن يحاسب عليها البيئة التي ولد فيها حين قال: "كان عليهم أن يذهبوا إلى لاكسمانغار، كي يحققوا في اختفائي، كان عليهم أن يحققوا مع أصحاب المتاجر، وساحبي العربات، ويوقظوا مدرّس المدرسة، هل كان يسرق في طفولته؟ هل كان يقيم علاقات مع بنات الهوى؟ وكأنه يريد محاسبة كل هؤلاء على فعلته" مشيرا إلى أهمية المربي في التربية والتعليم، وأهمية البيئة المحيطة به.
إنها المحاكاة التي تفضي إلى التطهير النفسي للمشاهد أو المتلقي كما يقول أرسطو، وترجمتها إلى فعل لغوي يترجم سلوكيات بيئية وعلاقات إنسانية.. حتى البيئة الجنسية للفقراء والأغنياء، وأضاء عليها في قوله: "كن يجلسن على حافة النافذة بطريقة يمكننا أن نرى الامتداد الكامل لسيقانهن الداكنة اللامعة، ظهر وجه فتى صغير من بين ساقي إحدى النسوة، دخلنا والتقط واحدة من الأربع، وأنا التقطت واحدة، ودخل كل منّا مع امرأة إلى الغرفة" هذا في القرية، وفي المدينة قال: "لم يحدث أبدا أن رأيت نسوة متبرجات يقفن على جوانب الطرقات؟ لم يحدث أبدا أن رأيت كم من الرجال أوقفوا سياراتهم هناك وسط الزحام، ليتفاوضوا على التسعيرة مع أولئك النسوة."
كما لم ينس أحاسيس القاتل في قوله: " إن التفكير في السيد آشوك يجعلني انفعاليا، ليت لدي بعض المناديل الورقية هنا، ربما ليمسح دمعه، وربما ليمسح معالم الجريمة من نفسه مشبّهاً القتل بالولادة ،أمه وأبوه عرفاه جنينا، وأنا عرفته جثة هامدة، بالرغم من أنني قتلته، فلن تجدني أقول أي شيء سيئ عنه".
يقول النويهي: "الفن هو الإنتاج البشري الذي يعبّر عن عاطفة منتجة نحو الوجود، وموقفه منه تعبير منظم مقصود يثير في متلقيه نظير ما أثاره الوجود منتجه من عاطفة وموقف".
فالعاطفة بدأت عقلانية من نقطة ضوئية انطلق منها أرافيندا من قرية بسيطة إلى ضوضاء المدينة قائلا "سيتعلق حديثي في بقية اليوم بالقصة المحزنة لتحولي من قروي أحمق وطيب إلى ابن مدينة مليء بالفساد والانغماس في الملذات والشرور لتغريه الحقيبة الحمراء" فيرتكب الجرم، ويقتل سيده، وهو مدرك أن عائلته كلها ستموت، ولم ينقذ منها إلاّ ابن أخته، فالفساد لم يتوقف عنده هو، بل حتى سيده" لقد عاد من أميركا رجلا بريئا، لكن الحياة في دلهي أفسدته، وحين يفسد السيد صاحب السيارة الهوندا سيتي، فكيف يمكن للسائق أن يبقى بريئاً"؟ فالتربية بالقدوة هي عنوان البلاد النامية، وهي التربية التي يجب أن نفكر بها.
هو طفل ذو أحلام بسيطة، خرج من مدرسة التعلم الأبجدي نحو مدرسة الحياة الكبرى التي تشبه الغابة في سرد جميل متسلسل قوي متين وحبكة ناضجة، حيث وضعنا في بؤرة الدائرة، ليمسك بالمتلقي جيداً، ويلامس حقيقة مؤلمة يحياها الإنسان في ضعف نفسي أمام قوة المال، لنتعاطف معه، وهو يستنفر كل وسائل التأثير والتأثر الروائي
Doha El Mol