ناي الأرواح على شواطئ كافكا

ضحى عبدالرؤوف المل

أطفأ هاروكي موراكامي ذهنه مع كافكا على الشاطئ، ليمتص الأدمغة، ويتركها في وعاء فيزيائي، ثم يعيد برمجتها كما يحلو له، فتمتلئ بمعلومات مخزنة تاريخيا قبل أن يعلّمنا الإنصات التام له، ويسلبنا الإرادة، لنقرأ في متاهة دون توقف، بينما الذهن شارد في تنويم مغنطيسي وتحفيز للحواس، فتتضخم المخيلة، وتنتج صورا قوية.

"حولت دماغي إلى إسفنجة تمتص كل ما يقال" وأنا أيضا حولت دماغي إلى إسفنجة، وكأن القط الأسود على غلاف الرواية هو "بركة ماء مظلمة تحاصرني" بعد أن "كانت عضلاتي تشتد كالفولاذ، حتى وأنا أزداد هدوءا وانطوائية على نفسي" وكأنه غارق في فضاء الأسلوب الروائي "عالم فضاء واسع، لكن الفضاء الذي سيحتويك"

خلاصة حياة ترجمتها إيمان رزق الله، وأشرف عليها سامر هواش في نظام مميز، وسريالية تهدف إلى مواءمة خطين متوازيين من خلال عجوز ومراهق، وكأنه يرمز إلى صراع حضارات تعاقبت، وحضارات تعيش الصراع الذاتي، لتصحيح وجودها "إنه صراع بين مهمة كل منا ومصلحته، وهذا الصراع يحدث كثيرا في العالم، ولهذا دعني أقل لك شيئا سنتفاوض" العجوز يسعى لتصحيح مساره القدري، ويتفاوض ليسترجع ما سلب منه، لينقذ من أحبهم من المجازر الجماعية، وقطط تعرضت لانتهاك حقوقها كما حدث للمفاوضات العسكرية في أكثر من دولة، وللأسرى والحرب المشروعة للدفاع عن النفس، واستعادة الماضي، ففلسطين أخت، واليهود أبناء الله، لكن الحروب جعلت منها مدينة تفتش عن ماضيها لتحيا حاضرها، ومراهق في الخامسة عشر، يملك ذكاء خارقا، وفكرا فلسفيا أستغربه، لكنه جعلني أشعر أن الطفل المراهق ما هو إلا الفكر الصهيوني الذي يؤمن بنبوءة أوديبية، كما يؤمن الصهاينة بنبوءة أرض الميعاد، وهيكل سليمان، ولعنة إلهية أصابتهم لنحيا في عالمين، وتكافؤ مغاير في رمزية قوية، وهي اغتصاب الأرض، وإحداث المجازر.

هروب اليهود من مجازر إيخمان يشبه هروب الفتى في ثوان قدرية، وعقبات تشبه أفلام الخيال العلمي الأسود التي يسودها الخوف والكره والقتل، وكأنه في هذه الرواية يقدم "تاريخ البشرية في اختصار وواقع ما هو سوى تراكم للنبوءات المشؤومة التي سبق أن حدث بعض منها بالفعل، فهل هيكل سليمان نبوءة؟ أم أن الزمن المتجمد هو أشبه بناي الأرواح الخرافي الذي يعيد الحياة لحالة ذهنية فقدناها، وهي تجاويف زمنية في لوحة قديمة تشكّل صورة الذات الإنسانية.

سريالية ميتافيزقية، وفنتازيا صراع الخير والشر في حبكة تراجيديا إغريقية جعلتنا نفتح ألبوم موسيقي، ونسمع أوبرا بوتشيني، ارستو فانيس، أوبرا البوهيمي، أوبرا ثلاثية الأرشيدوق بيتهوفن، هايدن، ليعيد إلى الذاكرة الشبابية الثقافة الفنية التي كانت إقطاعية في الماضي، وتتحرر الآن "كان الإقطاعيون في العديد من المناطق يدعمون الفنانين، كان حينها الفن مختلفا " لكن هاروكي نسي أننا ما زلنا نحيا الفن الإقطاعي الهوليوودي الذي يعيد تاريخ الفن كما أعاد هو نبوءة كاسندرا إلى الذاكرة "هذه المرة عندما أدخل إلى الغابة، أكون مجهزا بكل ما يمكن أن أحتاج إليه.

يقول هاروكي موراكامي:" في الموسيقى كما في الروايات الخيالية، الإيقاع هو أهم شيء، هذا درس أساسي تعلمته من الموسيقى، بعد الإيقاع تأتي النغمة، وهي في الأدب حسن توظيف الكلمات، واستعمالها بشكل مناسب لتلائم الإيقاع، ثم تأتي الهارمونيا، أي مزج النغمات، وأخيراً الارتجال الحر الذي أحبه كثيرا.

وهذا ما فعله في رواية كافكا على الشاطئ إيقاع كلمات منحها الحكمة، ومنحها المعلومة التاريخية، ثم دمجها في تناغم سلس يتقبلها العقل في ذهنية تتابع العجوز والمراهق، وهي تكتسب معلومات مهمة متل التلوث الجيني، الخيالات الجنسية المكثفة، رؤية الدراما الإغريقية للعالم ، نبوءة أوديب، الأميركيون يحتلون اليابان، قوات الدفاع الذاتي.. إلخ.

عوالم تخيلية يرسمها في دوائر متفرقة، ثم يجمعها كأنه في لعبة ذهنية مفتوحة على كل الاحتمالات مثل لعبة قارئ الأفكار، فهو يجعلنا نسأل ونفكر في شخصيات رسمها هنا وهناك، وأسماء متشابهة تاريخيا، فهل جوني والكر صاحب شعار زجاجة الويسكي ما هو إلا عبدالحميد الإيرلندي؟ وهل سيرة الأمير جانجي هي تلميح لسجناء قلعة جانجي، ليتكون مفهوم الموت خارج نطاق خياله، وداخل نطاق خيالنا؟ أم أن الكولونيل ساندرز صاحب الخلطة الشهيرة يشبه هوتشينو، ليقول فجأة: "لو كانت هذه لعبة فيديو لكنت أنهيت المستوى الأول بسهولة " لكن الحياة ذات معايير خير وشر، حب وكراهية، مادة وذاكرة، موت وحياة، فلا نستطيع الوقوف في الليمبو، لأنه المكان الفاصل بين الظلمة والنور، لكن نستطيع أن نستمتع بالحياة بما موجود فيها، كما نستمتع بالأسلوب الروائي، وبقراءة أنطوان تشيخوف، لوركا، هيمنجواي، تشارلز ديكنز، جان جاك روسو، موراساكي شكيبو، ليقول لنا على لسان بيرليوز:"حياة دون قراءة هاملت لمرة كحياة نقضيها في منجم فحم".

يقول القديس أوغسطين:"إن طفولتي التي انتهت توجد في الزمن الماضي الذي انتهى، لكن صورتها أتأملها في الزمن الحاضر، لأنها ما زالت في الذاكرة".

مفهوم سردي تشويقي، وعوالم تخيلية، وكأننا في غابة مع كافكا في إيحاء كتابي، ومفهوم أسلوبي في مضمون مكثف، فنتصور العالم الواقعي في عالم خيالي يسترجع الماضي، ليحيا الحاضر، فنشعر براحة نفسية بعد كل شجرة يجرحها كافكا، وهو في غابة تشبه العالم السردي الروائي الذي جذبنا إليه هاروكي، ووفق قوانين صارمة جعلتني حتى لا أحب التوقف عند أي فاصلة أو نقطة، لأتبين طريق الذهاب، وأحفظ طريق العودة رغم أنني أحفظ حكاية هاتسل وجريتل جيدا ، لكنني مارست اللعبة حتى النهاية.

استفزاز نفسي، تشويق ذهني، وعقل يتأرجح بين المنطق والفلسفة، وثورة على انتهاك الحرمات من تلوث بيئي للطبيعة، واغتصاب أراض، ومذابح بحق الإنسان، وأنظمة تشبه جدار الذات، ونبوءة مجردة من الحقيقة، والإدراك بأن القراءة فعل ثقافة قومية يجب أن تكون للجميع، كي يبقى التسلسل القدري مرتبطا بالحاضر والاستفادة من كل عنصر في الحياة، ليقود القارئ إلى نتيجة واحدة هي الإنسان القادر على تخطي الحواجز كلها حتى النفسية منها في خلق عالم نظيف في أسلوب بسيط مع مراهق يبحث عن ذاته وعن هويته القومية، ليستعيد القدرة على متابعة الحياة، وتخطي النبوءة الفاسدة، لنجد أنفسنا داخل الرواية ننازع قوى الشر رغم التلوث البيئي والجيني والطبيعي، كاشفا عن التخطيط الاستراتيجي الذاتي والقبول بالآخر مهما كانت تصرفاته مثل أوشيما المخنثة التي لم تفهم طبيعة ذاتها، فكانت ممارستها المغلوطة المثخنة بعجز أنثوي خلقي تشبه ممارسات أنظمة لم تفهم طبيعة وجودها على الخارطة السياسية، فكانت شاذة، وشذوذها يشبه جوني ولكر في قطع الرؤوس، ووضعها في صناديق بأسلوب إيحائي ذكي.

لكن الأهم أنه استطاع إبهارنا رغم الكم الكثيف من المعلومات في الرواية، والخلطة العجيبة لشخصيات مرتبطة بالماضي والحاضر والمستقبل، ليجعلنا نقرأ دون توقف، والمضي إلى هدفه الأساسي حيث تاريخ اليابان، وتاريخ نابليون، والبعوض الذي يشبه بعوض نهر النيل في لمحة لما هو أخطر من القنبلة النووية، وكأنه ينتقد العالم الجديد الذي يحيا بلا ذاكرة ثقافية ولا فنية ولا تاريخية ولا سياسية، وكأن العالم بأسره تعرض لقنبلة نووية، بينما العالم الخارجي ما هو إلا صورة عن العالم الداخلي.

لم يرسم هاروكي الحدود لروايته بل جعلها كونية مفتوحة على زمن يتجدد، وأمكنة غير محددة، قد تعيد نفسها مستقبلا مع أشخاص آخرين، ولكن كأنه هنا يريد صنع عالم ذهني كوني موحّد يستطيع من خلاله الدخول للواقع لحل المشكلات القومية التي نتعرض لها في كل وطن.

إن السعادة في الفكر البوذي هي الخروج عن الذات لتحقيق المصالحة الداخلية والخارجية، وهذا ما أراده هاروكي في الرواية، المصالحة الذاتية في الخروج الذهني، وإعادة مسار التاريخ وتصحيحه، والابتعاد عن كل شيء يؤدي لفقدان مستوى العقل، ليلتحق بقوات الدفاع الذاتي، وهي قوات لم تنخرط في حرب حقيقية، وإنما في بعض عمليات حفظ السلام، فهل يستحق لهذا جائزة القدس الأدبية؟.

Doha El Mol