فيلم التحريك (Aubade) وولادة موسيقية معاصرة
ضحى عبدالرؤوف المل
يؤكد المخرج "مورو كاريرو" على أهمية الأداء الموسيقي ضمن الطبيعة الحرة أو البكر بفطرة الإنسان القادر على استخراج النغمة من إيقاعات الطبيعة التي تحيا بتوازن جمالي له تأثيراته على الإنسان، حيث وضع الحواس أمام تجربة غنية في فيلم التحريك المبني على تمجيد أغاني الحياة المليئة بالحب والجمال، كنوع شعري سينمائي تتناسق فيه العناصر الفنية السينمائية، معيدًا إلى الذاكرة رحلة الإنسان من المهد إلى اللحد، كموسيقى كلاسيكية تولد من باطن الحياة بفن لا يحتسب فيه الموت والحياة، بل هو رحلة جميلة لمن أراد الخوض فيها بتشابه نمطي يمحو سواد الشمس، ويعيد لها الضوء تبعًا لمسارها الصحيح الذي يهتدي به الناس، وتجعلهم يتأثرون بها إن فرحًا أو حزنًا أو بالنوم والاستيقاظ، والتصفيق لعودة الحياة كل يوم.
الليل يتبع النهار وموسيقى الحياة تناغم كلي تتراقص معه الكائنات المؤدية لإيقاعات مرسومة لها بنظام كوني لا نفارقه حسيًا، فالمخرج "مورو كاريرو" في فيلمه التحريكي المحاكي للزمن بحداثة رؤيوية سينمائية يؤرخ من خلالها لماضي تراثي كان يتواجد من أزمان حملت معها الكثير من السمفونيات الغائبة عن الأذهان، مع أهمية اللغة البصرية وتتابعها الانعكاسي ضمن الحركة المرسومة، كنغمة سمفونية تستكمل المشهد المستوحى من بدايات موسيقية برمزية الطيور المرفرفة عند فجر يفارق الليل، تسطع فيه صفحة الماء مع الكرات السوداء وحركتها في البحر بتراقص بصري لنوتات موسيقية عبارة عن كائنات تحيا في الطبيعة بتناغم يحتاج لضوء شمس أو لإزالة العتمة من النفوس.
فجر موسيقي بدأ من عمق محيط الحياة وأضاء اللحظات الأولى ليوم جديد بنوتات تتشكل بعفوية لا ندركها إلا ضمن تأملات ألقت الضوء عليها "مورو كاريرو" برسومات ذات خطوط حادة وفاصلة، قادرة على خلق ديناميكية في المشهد التحريكي المعتمد على الظل في تحديد الوقت الزمني للمشاهد المترنمة مع موسيقى الفيلم التصويرية للفنان "ميش غربر" (Mich Gerber) الذي استطاع أيضًا بناء المشهد تبعًا للحركة التي تجعلنا نراقب حركة الأشياء في الفيلم، فنترجم النوتات ومعانيها لنفهم ما يجري في الكون والطبيعة الأوبرالية التي تعتمد على التناغم كوسيلة تخاطب سريالية لها حالات مختلفة من حب ورومانسية ورقص وولادة، وموت وتجدد ضمن معطيات تتسلسل فيها الرؤية بدينامية وحيوية إخراجية تتوافق مع المؤلف الموسيقي والألحان الرئيسية في كل مشهد اختلفت فيه الافتتاحية عن النهاية.
خمس دقائق مدة فيلم تحريكي تؤدى فيه نغمات سمعية وبصرية تعزف لحن فجر يعلن الوجود لموسيقى أراد له "مورو كاريرو" إبراز تاريخ الموسيقى بمدة زمنية قادرة على استخلاص الفكرة ووضعها ضمن التاريخ الحديث للفن بنبرة تاريخية لا غنى فيها عن سمفونيات إسبانية عرفناها قديمًا، والتي تشكل النواة الأساسية للموسيقى في هذا الفيلم الذي تشارك فيه كل من المؤلف الموسيقي "ميش غربر" (Mich Gerber) والمخرج "مورو كاريرو" (Mauro Carraro)، لمنحه ميزة خاصة وخلق أجواء أكثر رومانسية وجدية ضمن لغة كلاسيكية تتلازم فيها الأبعاد والرسوم، وتقنيات المشهد بسنوغرافيا لها صداها البصرية كما الموسيقى وصداها السمعية.
ثلاثيات مشهدية يتهادى في تنظيمها المخرج كاريرو لتكوين يتنوع مع هدوء الموسيقى وسكناتها، وتحاورها مع ذاتها تمهيدًا لاستخراج المعنى عند ظهور آلة تشيللو من الماء التي ترمز إلى وجود الموسيقى في الطبيعة قبل الإنسان، ليظهر العازف كظل في نهاية الفيلم وبنعومة لا يستطيع إيقافها البصر أو السمع بجذب بسيط، وبمدة زمنية ترمز إلى قواعد الكتابة السمفونية، وقوالب السونات الشبيهة بالرسومات التي لو قلبناها إلى نوتات لاحسسنا أن الرسومات ما هي إلا حركة اهتزازية للنغمة السمعية في فيلم يهدف إلى تمجيد الموسيقى بقالب ذي أبعاد حسية.
فضاءات تخيلية مفتوحة بصريًا وسمعيًا على الأداء التقني في الفيلم المتناسب مع مدة الفيلم وعدد المشاهد، والمضمون وقدرة إيصال الفكرة بإحساس ذي وتيرة حياتية متناغمة مع عناصر الطبيعة التي جمعها كاريرو في الفيلم مع صوت الماء، والتصفيق بأجنحة الطيور كولادة رمزية لكل منا عند التأملات التي تسبغها علينا الطبيعة بتكوينها السمفوني في حال استطعنا استخراج المشهد سمعيًا أو بصريًا محاولين ترك الظل والألوان المعتمة، كتوليفة مرئية لها تكنيكها الفني في أفلام التحريك خاصة. إذ يستخرج من الذاكرة كل ما له علاقة بالموسيقى الأولى للحياة من حيث تجريد الأشكال كالطيور المرسومة بهندسة خط له معالمه وتناقضاته الخاصة المؤثرة على البصر أثناء تحريكه. ليكون إيقاعيًّا متماشيا مع آلة العازف في الموسيقى التصويرية ودلالاتها العميقة المؤثرة على تماشي الرسومات تبعًا لنظم التأليف الموسيقي وقدرته على التناغم الهادئ والانسجام الكلي مع ظل فجر تغتسل منه العتمة لتضيء الشمس دون أن تنطفئ إنما بعودة الحياة مرة أخرى.
فيلم تحريكي يعلن إشراق فجر موسيقي معاصر وبحنين الماضي ضمن انسياب اللحن بحنو خصوصًا عند النهاية، والتصفيق بروعة حسية ذات طابع كلاسيكي تطغى عليه الرسومات المتوازنة مع النوتات العالية والمنخفضة والواضحة بمعانيها الدرامية ومناجاتها للقديم والجديد من خلال الإنسان وبحثه الدؤوب عن الآخر وعن الاسترخاء والاستسلام لهدوء الفجر وطبيعة الحياة والانطلاق نحو الحداثة مع كل فجر جديد. فهل أراد المخرج "مورو كاريرو" إعلان ولادة موسيقية جديدة في فيلم تحريك يناجي به الحياة؟
برؤية أخرى فيلم التحريك "Aubade" للمخرج "مورو كاريرو" يبرز كعمل فني مبتكر يجمع بين الجماليات البصرية والموسيقية بطريقة تلامس العمق الإنساني. من خلال استخدامه للتقنيات الحديثة في التحريك والموسيقى، يُقدّم الفيلم تجربة حسية غنية تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الإنسان وعلاقته بالعالم من حوله. ينطلق الفيلم من تأملات في الطبيعة والموسيقى، ليخلق تجسيدًا بصريًا يتجاوز حدود الواقع الملموس.
يُركز الفيلم على مفهوم التجانس بين الإنسان والطبيعة، ويقدم رؤية شمولية للموسيقى كجزء أساسي من حياة الإنسان منذ ولادته وحتى وفاته. يوضح المخرج كيف أن النغمات المستخرجة من إيقاعات الطبيعة يمكن أن تؤثر على حالة الإنسان وتخلق توازنًا جماليًّا. من خلال هذا الإطار، يقدم الفيلم تأملًا في العلاقة بين الفن والطبيعة، ويبرز كيف يمكن للأداء الموسيقي أن يكون تجسيدًا لهذا التوازن.
يستفيد الفيلم من البنية الدرامية القوية التي تجسد رحلة الإنسان عبر الزمن، من خلال استخدام رمزية الطيور والفجر. الدراما في الفيلم تتجسد عبر تحول الأوقات والتغيرات التي تطرأ على الشخصيات والمشاهد، مما يعكس صراعاتهم الداخلية والخارجية. الأداة الدرامية الرئيسية هي الموسيقى، التي تُستخدم لتأكيد التحولات في القصة وتعميق التأثير العاطفي على المشاهدين.
الفيلم يُظهر مستوى عالٍ من الابتكار الفني من خلال استخدام التقنيات المتقدمة في التحريك. الإخراج الفني يتميز بقدرته على دمج الألوان، والأشكال، والحركة لخلق تجربة بصرية متكاملة. التصميم البصري والموسيقي يتناغم معًا لتقديم مشاهد تحاكي تجسيدًا موسيقيًا وحسيًا للأحداث، مما يعزز من تأثير الفيلم على الجمهور.
الجمال في "Aubade" يتجلى من خلال التفاصيل البصرية الدقيقة والتنسيق بين الرسوم المتحركة والموسيقى. استخدام الألوان، وتنسيق الضوء والظل، وحركات الكائنات في المشاهد تُضاف إلى التجربة الجمالية الشاملة. كما يتم استخدام تقنيات التحريك لإبراز الجمال الطبيعي والفني، مما يجعل المشاهدين يتفاعلون مع الفيلم على مستوى عاطفي وجمالي.
التعبير في الفيلم يتجاوز مجرد تقديم مشاهد مرئية، ليشمل القدرة على نقل مشاعر وأفكار عميقة من خلال الرسوم المتحركة. الرسوم المتحركة تعكس الأحاسيس الداخلية للشخصيات، كما تُظهر تعبيراتها وحركاتها بشكل يعكس تأثير الموسيقى والبيئة. هذا يجعل الفيلم يعبر عن حالات مختلفة مثل الحب، والرومانسية، والولادة، والموت، والتجدد بأسلوب فني معبر.
التحريك في "Aubade" يُعتبر عنصرًا أساسيًا في تحقيق الرؤية الإخراجية. تحريك الشخصيات والعناصر البصرية يُستخدم لخلق إيقاع متناسق مع الموسيقى، مما يساهم في بناء تجربة سينمائية متكاملة. تُظهر التقنيات المستخدمة في التحريك قدرة المخرج على التحكم في التفاصيل الدقيقة وتوجيه حركة العناصر لتكون متماشية مع الموسيقى والأحداث الدرامية.
من منظور إخراجي، يُبرز فيلم "Aubade" كيف يمكن للتقنيات المختلفة في التحريك والموسيقى أن تعمل معًا لإنشاء تجربة فنية متكاملة. المخرج "مورو كاريرو" يُظهر براعة في استخدام العناصر البصرية والموسيقية لخلق سرد درامي وجمالي، حيث يتناغم التصميم الفني مع التحريك والموسيقى لتقديم عمل فني يعبر عن جمال الطبيعة وتناسقها مع الحياة الإنسانية.
يُعتبر فيلم التحريك "Aubade" مثالًا على كيفية استخدام الفن والإخراج لخلق تجربة سينمائية تدمج بين الموسيقى، والفن، والطبيعة بطريقة مبدعة وجذابة. يحقق الفيلم توازنًا بين الجوانب المختلفة للفن التحريكي، ويقدم رؤية عميقة ومؤثرة للحياة والكون من خلال تقنيات متقدمة وتجربة حسية متكاملة.
فيلم التحريك ( Aubad) للمخرج " مورو كاريرو "الافتتاحي في مهرجان طرابلس للافلام 2015
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com