العودة

Artist Gebran Tarazi

الفنان اللبناني "جبران طرزي" – السيرة الذاتية
بقلم مارك جبران طرزي
ولد الفنان اللبناني الهندسي التجريدي "جبران طرزي" Gebran Tarazi سنة ١٩٤٤ في دمشق في بيت تراثي عريق وفي أسرة امتهنت الحرف المشرقية منذ أكثر من ١٦٠ سنة مثل الأعمال الخشبية الهندسية من أرابسك ورسوم نباتية نافرة التي تخصص للقصور المشرقية الفاخرة بالإضافة إلى تجارة التحف المشرقية المزخرفة من نحاس مرصع بالفضة التي تحمل بعض تحفه المتحفية إسم "طرزي" مرصعا بالفضة. علما بأن هذه الأعمال لآل الطرزي كان لها انتشار في عدة عواصم عربية مثل دمشق وبيروت والاسكندرية والقدس. ويسجل تاريخيا انتقال الأسرة للإقامة في بيروت سنة ١٨٦٠ وعرفت أيضا بطباعة البطاقات البريدية التي توثق تاريخ بيروت ومدن المشرق.

وشاءت الأقدار أن ينتقل والد الفنان اللبناني "جبران طرزي" السيد ألفرد مصطحبا نجله جبران وزوجته إلى مدينة الرباط في المملكة المغربية الشريفة في الأربعينات من القرن العشرين حيث تربى جبران طرزي لينهل من الفنون البصرية المغربية وتجارة التحف المغربية وذلك يضاف إلى احتراف الأسرة الفنون المشرقية أي بذلك تكوم الأسرة وفقت بين كل من الفنون العربية المغربية والمشرقية.

في طفولته وشبابه في مدينة الرباط انكب جبران طرزي على المطالعة والقراءة في الأدب الفرنسي ثم عادت الأسرة نهائيا إلى بيروت سنة ١٩٥٩ واستمرت في نفس النشاط الحرفي العربي الفني إلا أن جبران طرزي أكمل الدراسة في الفلسفة ثم نال اجازة في الحقوق. كان جل اهتمام جبران طرزي الحداثة الأدبية وكان ضليعا بالأدب الفرنسي وألف رواية "معصرة الزيتون" خلال الثمانينات التي صدرت بعد ذلك في باريس سنة ١٩٩٦.

على الرغم من اهتمامه الأدبي واعراضه عن مهنة وحرف أسرته كان جبران طرزي يهوى اقتناء التحف من سجاد قوقازي ورسوم هكوزاي اليبانية والسيراميك الصيني القديم ويظهر في روايته "معصرة الزيتون" وصف الألوان بشكل مبدع ورائع قبل أن يصبح فنانا معاصرا كبيرا.

لكن خلال الحرب الأهلية اللبنانية التي بدأت سنة ١٩٧٤ فرضت الظروف الاقتصادية أن يكون مسؤولا عن الألوان والتلوين في مشغل آل طرزي للفنون الخشبية المشرقية العريقة حيث كانت له نظرة ثاقبة. أما بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية وأحزانها استقر في قرية بلونة في قضاء كسروان في جبل لبنان. لم يتمكن حينذاك من استكمال مسيرته في الأدب الفرنسي لأنه كان رب أسرة فأقام عدة محاولات تجديدية بسيطة في الحرفة المشرقية من خلال تصميم مرايا وصناديق ذات الطابع الشرقي وبعد عدة محاولات وتجارب وجد نفسه يعيد ويعيد لوحة بشكل مربع. وبعد زيارة أصدقاء له ينشطون في النقد الفني في الثقافة والذين أكدوا له أنه انتقل من الحرفة المشرقية إلى الفن العربي المعاصر انتطلقت مسيرة فنية حديثة من العطاء ليلا نهارا خلال ١٥ سنة انقطع خلالها جبران طرزي عن المجتمع ليخصص وقته لتلك التجربة.

كان يفتخر بأعماله الفنية الهندسية المعاصرة وذلك بأنه لم يتبع منهجية فنية غربية وأساليب مقتبسة من فنانين غريبين أو مدارس فنية غربية كما أنه افتخر بتأسيس مدرسة فنية مشرقية حديثة تختلف جذريا وتنشق عن الحرفة التقليدية التي عرفت بها أسرته. هذه الطروحات حري أن تطلع عليها المعاهد الفنية في الوطن العربي.

وجاء ابتكار هذا الفنان المجدد للرسوم الهندسية وتخطيطها وتنظيمها على مئات الأوراق والخرائط قبل تحويلها وتطبيقها على عمل لوحة ملونة. أما الحديث عن تنسيق الألوان فاستغرق وقتا طويلا من التأمل واعادة النظر والتفكر والتركيز والتجارب. وهي عملية شبه هستيرية وجنونية تعيي الصابرين وتتحدى الوقت من الصباح إلى جوف الليل يوميا خلال ١٥ سنة. حتى ان الوقوف لساعات طويلة كان يؤلم قدميه. كل ذلك من اجل انجاز عمل فني يليق باسمه ومكانته ويمكن أن نجزم بأن كل لوحة تستر عشرات التجارب من الألوان أي أن اللوحة قد تخفي ٣٠ لوحة أو تجربة للألوان حتى ينتهي من اللوحة الواحدة بعد عدة أشهر.

وقد توفي جبران طرزي سنة ٢٠١٠ بعمر ال٦٦ بعد عطاء فني وأدبي كبير تاركا للفن العربي المعاصر تجربة تطرح الكثير من الرؤى والأفكار.

ونلفت الانتباه إلى أن أعمال "جبران طرزي" دخلت المتاحف منها "المتحف العربي للفن الحديث" في دولة قطر سنة 2015 بمجموعة متكاملة بالإضافة إلى متحف عالمي آخر شهير سنة 2023 إلى جانب مشاركته في أهم المعارض الفنية العربية وقد عرضت لوحاته في باريس سنة 2016 إلى جانب الفنان العالمي "فزارلي" تقديرا لمساهمة جبران طرزي الكبرى في الفن الحديث العربي وأصالته.
وفي سنة 2023 أنجز "متحف بيروت للفن" BeMA وهو مشروع فني ضخم قيد الإنشاء في قلب بيروت تحويل كامل أرشيف وانجازات "جبران طرزي" إلى أرشيف إلكتروني رقمي ستتاح للباحثين والمؤرخين في مجال الفن مطالعته ودراسته. كما أن في سنة 2024 أدخلت تجربة "جبران طرزي" في برنامج الدراسات العليا في "الجامعة اللبنانية" الرسمية تقديرا لدوره الابداعي والفني والأدبي الريادي في التاريخ الفني للبنان والبلاد العربية.